"مَطَر ناعمٌ في خريف بعيدْ والعصافير زرقاءُ.. زرقاءُ والأرض عيد. لا تقولي أنا غيمة في المطارْ فأنا لا أريدْ من بلادي التي سقطتْ من زجاج القطار غير منديل أُمي وأسباب موت جديد" (محمود درويش) في خطابه أمام الأمم المتحدة، هاجم بنيامين نتنياهو بريطانيا وفرنسا مستحضرًا تاريخهما الاستعماري، ردًا على انتقادهما سياسة إسرائيل في فلسطين. وفي لندن، وصف وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند ما يجري في مناطق من الضفة الغربية بأنه تطهير عرقي للفلسطينيين يرتكبه "مستوطنون إرهابيون"، وأعلن عقوبات على أفراد متورطين في دعم العنف أو التحريض عليه. تبدو هنا المفارقة صارخة، فرئيس حكومة قامت دولته في مسار مهّدت له بريطانيا، من خلال الاستعمار، يذكّرها باستعمارها، فيما تستخدم بريطانيا أخيرًا لغة أشد وضوحًا لوصف العنف الواقع على الفلسطينيين. يحق للفلسطيني أن يرحب بتسمية الاعتداء باسمه، وأن يسأل في اللحظة نفسها، هل تكفي هذه اللغة لتصحيح ما أسهمت بريطانيا في صنعه؟ الجواب يتوقف على معنى التصحيح. فإدانة المستوطن المسلح خطوة سياسية، والعقوبات عليه قد تحمي أشخاصًا وأرضًا. أما تصحيح ظلم تاريخي امتد عبر أجيال، فيحتاج إلى اعتراف واضح بالمسؤولية، وسياسة تمنع استمرار الضرر، وجهد ملموس لاستعادة الحقوق وتعويض أصحابها. بدأت الحكاية بوعد بلفور عام 1917. تعهدت حكومة بريطانيا، وكانت القوة الأكثر قدرة على الفعل في ذلك الوقت، بدعم إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين، في وقت كان لأهل البلاد العرب حضورهم وبيوتهم ومجتمعهم وتطلعاتهم السياسية. احتوى نص الوعد على تعهد بألا يُمسّ ما سماه "الحقوق المدنية والدينية" للجماعات غير اليهودية القائمة في فلسطين، لكنه لم يعترف لها بحق سياسي مماثل في تقرير مستقبل وطنها. تلك اللغة لم تكن تفصيلًا بريئًا، إذ منحت الحركة الصهيونية صفة شعب له مشروع قومي، ووصفت أكثرية سكان البلاد بحسب ما ليسوا عليه. ثم جاء الانتداب البريطاني ليدمج الوعد في إدارة فلسطين ويمنحه أدوات التنفيذ. تكشف مذكرة كتبها آرثر بلفور إلى اللورد كرزون في 11 آب/ أغسطس 1919 مقدار الوضوح الذي رأى به أصحاب القرار هذا التفاوت. كتب بلفور أن القوى الكبرى ملتزمة بالصهيونية، وأنها، "سواء أكانت محقة أم مخطئة، حسنة أم سيئة"، تتصل في نظره بتقاليد وحاجات وآمال أعمق أهمية من رغبات العرب السبعمئة ألف الذين يسكنون البلاد. وأقرّ في المذكرة نفسها بأن بريطانيا لا تعتزم حتى إجراء مشاورة شكلية لسكان فلسطين بشأن ما يريدونه. كانت تلك مذكرة إلى كرزون، المسؤول البريطاني في لندن، والمغزى أبقى من الخلاف على التسمية فصاحب الوعد كان يعلم أن هناك شعبًا في الأرض، وقرر أن إرادته أقل وزنًا من المشروع الذي اختارته الإمبراطورية. لم تكن دوافع السياسة البريطانية واحدة، فقد تداخلت المصالح الاستراتيجية للإمبراطورية مع حسابات الحرب العالمية الأولى، والنفوذ الأوروبي، وتأييد سياسي وثقافي للصهيونية، وتيارات مسيحية إنجيلية رأت في عودة اليهود إلى فلسطين معنى دينيًا. كما أثّر اضطهاد اليهود في أوروبا في المناخ السياسي الذي أحاط بالمشروع. الاعتراف بهذه العوامل لا يبدد السؤال الفلسطيني، بل يجعله أدق وهو بأي حق عالجت قوة استعمارية مشكلات أوروبا وطموحاتها السياسية على أرض شعب آخر، ومن دون موافقته؟ ومن الضروري أيضًا وصف المسؤوليات التاريخية بدقة، فوعد بلفور لم يُنشئ دولة إسرائيل بمفرده، وبريطانيا لم تكن الطرف الوحيد في كل ما تلاه من هجرة وصراع وحرب وتهجير. لكن محدودية هذا القول لا تعفيها من دورها المؤسس. فقد امتلكت سلطة الحكم في فلسطين خلال الانتداب، وأدارت أرضًا كان شعبها يطلب الاستقلال، فيما ظل الوعد الذي قطعته للحركة الصهيونية جزءًا من إطار حكمها. انتهى الانتداب، وبقي الفلسطينيون يواجهون نتائج قرارات لم يُستشاروا فيها. لهذا يبدو استدعاء نتنياهو الماضي الاستعماري البريطاني والفرنسي محاولة لقلب موقع الاتهام أكثر مما هو مراجعة لذلك الماضي. تاريخ بريطانيا الاستعماري حقيقي، ويستحق المحاسبة، لكن النفاق يظهر في استخدامه للرد على نقد الاستيطان وهو ما يطرح سؤالًا غائبًا عن خطابه وهو أين موقع الفلسطينيين من حق تقرير المصير اليوم؟ يمكن لرئيس الحكومة الإسرائيلية أن يذكّر لندن بما فعلته الإمبراطورية، لكن هذا التذكير لا يبرر مصادرة أرض في الضفة الغربية أو طرد سكانها أو تركهم عرضة لهجمات المستوطنين. في المقابل، يستحق كلام وزير الخارجية البريطاني أن يؤخذ بجدية. حين تصف حكومة غربية هجمات المستوطنين بأنها إرهاب، وتقر بأن فلسطينيين يُقتلعون من مناطق في الضفة الغربية، فإنها تسحب غطاء لغويًا طالما حجب طبيعة الوقائع. وحين تفرض عقوبات على من يدعمون العنف أو يحرضون عليه، تنتقل خطوة من التعبير إلى الفعل. هذه إجراءات مهمة للمتضررين منها مبا