يتصدر ملف الاستملاك العقاري في سوريا واجهة المشهد المحلي، مع تجدد احتجاجات أصحاب عقارات في ريف دمشق للمطالبة بحماية أملاكهم ووقف أي أعمال أو مشاريع استثمارية عليها قبل حسم وضعها القانوني. ويكتسب الملف حساسية خاصة في هذه المرحلة بعد نحو عامين على سقوط نظام الأسد السابق، نظراً لتداخل قرارات استملاك قديمة مع نزاعات نشأت خلال سنوات الحرب، وسط مخاوف من أن يؤدي تحويل العقارات المتنازع عليها إلى مشاريع استثمارية، إلى تكريس واقع جديد يصعب معه استرداد الحقوق لاحقاً. ولا تقتصر القضية على منطقة واحدة، إذ شهدت مناطق سورية أخرى احتجاجات ومطالب مماثلة، ما يعكس اتساع ملف الملكيات العقارية باعتباره واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب. إجراءات استملاك مخالفة للقانون ويقول فادي محمود، وهو محام وأحد المتضررين من قرارات الاستملاك في منطقة قدسيا بمحافظة دمشق، في لـ"المدن"، إن "الاحتجاجات ليست على قرارات استملاك الأراضي، بل على احتجاج السلطة بأن هذه الأراضي والعقارات التي استُملكت بطريقة مخالفة للقانون، وبإجراءات لا قانونية، تم تحويلها من جهات غير ذات اختصاص وبطريقة غير قانونية لعقارات تتم عليها مشاريع استثمارية مفاجئة ومخالفة حتى لقانون الاستملاك الجائر، ثم الإدعاء أن من حق هذه الجهات القيام بذلك، وأن من يعترض يقف بوجه إعادة الإعمار، ويعطل عمليات الاستثمار التي يحتاجها الاقتصاد الوطني". ويضع هذا الطرح ملف الاستملاك أمام معادلة دقيقة، إذ لا ينكر المتضررون أهمية إعادة الإعمار، لكنهم يشددون على أن الاستثمار لا يمكن أن يكون مدخلاً لتثبيت ملكيات محل نزاع أو تجاوز حقوق أصحابها، خصوصاً إذا كانت الغاية التي صدر الاستملاك من أجلها لم تتحقق. وتشير المعطيات القانونية التي يطرحها المتابعون للملف، إلى أن الاستملاك يرتبط أصلاً بتحقيق منفعة عامة محددة، وليس بمجرد نقل ملكية العقار تمهيداً لاستثماره تجارياً. كما أن القواعد المنظمة للاستثمار العقاري لا تلغي حق المالك في الاعتراض أو اللجوء إلى القضاء عندما يرى أن ملكيته انتُزعت أو استُخدمت خلافاً للغرض الذي صدر من أجله قرار الاستملاك. ملف معقد.. والقضاء يحسم النزاعات من جانبه، يؤكد عضو مجلس الشعب، ورئيس لجنة إعداد النظام الداخلي في المجلس، عبد الناصر حوشان، لـ"المدن"، أن ملف الاستملاك ملف معقد، "نظراً لاختلاط المطالب باستعادة العقارات المستملكة منذ عشرات السنين وبين العقارات التي استملكت بعد الثورة". ويوضح أن الدساتير السورية المتعاقبة أجازت الاستملاك شريطة أن يكون لصالح النفع وأن يكون بقانون وأن يكون مقابل تعويض عادل، في حين أن قانون الاستملاك لسنة 1982 حدد أحكام الاستملاك. وفي حال قامت الوحدات الإدارية بلحظ العقارات المستملكة ضمن المخططات التنظيمية تفتح باب الاعتراض أمام اللجنة القضائية المختصة، وفي حال لم يقتنع المواطن بقرار اللجنة يمكنه اللجوء للقضاء للنظر بدعواه، ولا يمكن تصديق أي مخطط تنظيمي إذا لم يتم دفع بدلات الاستملاك لأصحاب الحقوق. ويضيف حوشان "نحن أمام حالة قانونية فيها وجهين: الأولى عقارات استُملكت وانتهى بها المطاف إلى ملكية الوحدات الإدارية، وهذه لا يمكن التنازع عليها، و الثانية العقارات الملحوظة والتي لم تستكمل إجراءات الاستملاك، وهذه الحالة تحتاج إلى معالجة قانونية بالتعاون مع الوحدات الإدارية وأصحاب العقارات أو تدخل القضاء لفض النزاع"، مؤكداً أنه ليس لمجلس الشعب صلاحية البت في هذه القضايا، حسب تعبيره. إعادة الإعمار تبدأ من حماية حقوق الملكية في المقابل، يرى عضو مجلس الشعب، وعضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية هشام الأفيوني، أن ملف الملكية العقارية والاستملاك يتجاوز مسألة العقار نفسه، لارتباطه بالعدالة والاستقرار الاجتماعي والثقة بالدولة. ويقول الأفيوني لـ"المدن"، إنه "لا خلاف على حق الدولة في الاستملاك عندما تقتضيه منفعة عامة حقيقية، لكن هذا الحق يجب أن يُمارس ضمن ضوابط واضحة، وبقدر الضرورة، ومقابل تعويض عادل، مع ضمان حق المالك في الاعتراض واللجوء إلى القضاء". ويضيف أن "قرارات الاستملاك القديمة، ولا سيما التي لم تنفذ الغاية التي صدرت من أجلها أو تغيرت وجهة استعمال عقاراتها، تستوجب مراجعة قانونية جدية". ويؤكد الأفيوني أن مسؤوليتهم في مجلس الشعب "تتجاوز معالجة الحالات الفردية إلى مراجعة المنظومة التشريعية الناظمة للاستملاك والتنظيم العقاري، ووضع قواعد أكثر عدالة وشفافية، بالتوازي مع إيجاد آليات فعالة لتسوية النزاعات وتثبيت الملكيات التي تأثرت بالحرب والنزوح وفقدان الوثائق". الاستملاك بين مراجعة القوانين ومطالب المتضررين ويبرز هنا خلاف في تقدير الدور الذي ينبغي أن يؤديه مجلس الشعب في معالجة الملف. ويؤكد فادي محمود، أحد الأهالي المتضررين، أن "مجلس الشعب يمثل الجهة ال