أتذكر جيداً معلماتي في الصفوف الابتدائية. أتذكر قصصهن عن دير الزور، وريف حلب، وحماة، وحتى البادية وتدمر. كنّ يحكين لنا عن سنوات تدريسهن الأولى، وعن المناطق البعيدة التي عُيّنّ فيها، وكيف اضطررن حفاظاً على وظائفهن، للسفر بعيداً عن عائلاتهن. لكنهن، في المقابل، لم ينسين العائلات الجديدة التي احتضنتهن في تلك البيئات الريفية النائية؛ فقد كانت المعلمة في تلك القرى محط احتفاء وتكريم، وكان الأهالي يتنافسون على تقديم منتجاتهم المحلية للمعلمات اللواتي تركن بيئتهن وحياتهن لتعليم أبنائهم. في 22 أيلول/سبتمبر 2026، انتشر مقطع فيديو لشخص يحذر فيه المعلمات العلويات من الدخول للتدريس في منطقته؛ وذلك على خلفية القرار الإداري رقم (1601) الصادر عن وزارة التربية، والذي ألغى النقل المؤقت للمعلمات المتعاقدات وقضى بتجديد عقودهنّ إلى المحافظات التي عُيّنّ فيها في الأصل، بعد أن كُنّ قد نُقلن سابقاً إلى محافظاتهن الأصلية نتيجة الظروف الأمنية القاهرة. لم يكن هذا الفيديو حادثة معزولة، بل سبقه محتوى مرئي وتصريحات متعددة حملت الحدة والتعبئة الطائفية ذاتها. بمقارنة بسيطة بين المشهدين، نلمس انزياحاً بنيوياً وشقاقاً اجتماعياً واضحاً. ولكن، هل يتحول الناس فجأة إلى طائفيين؟ وهل يمكن اختزال هذا التحول بوصفه صراعاً سياسياً محضاً؟ بالتأكيد لا؛ لكن من الضروري جداً ملاحظة أن هذه الحوادث تشي بتآكل الجدران التي كانت تفصل الانتماء الطائفي عن تفاصيل الحياة اليومية، وتكشف عن انتقال الاستقطاب السياسي إلى مؤسسات يُفترض فيها الحيد الأخلاقي والوظيفي، وفي مقدمتها المدرسة. في السابق، كانت "الهوية المهنية" تعلو على "الهوية الطائفية"؛ فالمعلمة التي تطأ قدمها أرياف المدن البعيدة كانت تُعرّف بصفة "المعلمة" أولاً وأخيراً. لم يكن يُنظر إلى اختلافها الثقافي أو الاجتماعي بوصفه تهديداً أو اعتداءً، ولم تكن هي، في المقابل، ترى في مراعاة الخصوصية المحلية للبيئة الجديدة خطراً على هويتها. كانت الممارسات تجري بسلاسة اجتماعية. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن سوريا كانت خالية من الطائفية، لكن الطائفية في عهد النظام البائد ظهرت في سياقات وتوازنات أخرى، وربما شكلت البذرة الكامنة للانفجار الطائفي اللاحق على المستوى الشعبي. يتجلى الفارق الجوهري، ربما، أن المجتمع كان يمتلك مساحات اجتماعية أوسع، لا تُستدعى فيها الهويات الفئوية بشكل مستمر. ما شهدته سوريا لا يمكن اختزاله في مقولة "الثورة" فحسب، ولا في إطار "الحرب" أو الصراع العسكري والسياسي الشامل فقط؛ بل أن الأزمة في عمقها أعادت تشكيل مفهوم الانتماء لدى الأفراد، وفرضت إعادة تعريف قسرية لـ "الذات" و"الآخر". وبعد سنوات من الشقاق، أضحى السؤال عن الخلفية المناطقية والطائفية المحدّد الأساسي للتعاطي مع الآخر. هنا تحديداً وقع التحول البنيوي، حيث حلت "الهوية الطائفية" كبديل تعريفي عن الفرد؛ فالأستاذة التي كانت تُعرّف سابقاً بوصفها "معلمة رياضيات" أو "معلمة لغة عربية"، باتت تُعرّف صراحة بـ "المعلمة العلوية". لقد بدأت الأزمة الجذرية من ممارسات النظام السابق، الذي جرد المؤسسة التعليمية من حياديتها التنموية وأحالها إلى أداة إيديولوجية لإعادة إنتاج السلطة وبناء أجيال تدين بالولاء المطلق. وفي مخيلة القطاع الأكبر من المجتمع، تحولت المعلمة إلى رمز يُجسد السلطة الحاكمة وسياساتها. وبعد انهيار النظام وتوزيع "صكوك الإدانة والبراءة" بناءً على الهوية، بقيت المعلمات العلويات في الواجهة الصريحة للمشهد، واقترن وجودهن المؤسسي في أذهان الكثيرين بالحقبة السابقة. اليوم، ورغم أن البعض قد يرى من المجحف القول إن شيئاً لم يتغير، إلا أن الواقع يتكشف عن استمرار الآليات ذاتها؛ إذ عادت المدارس لتكون مساحة لاستعراض شكل السلطة الجديدة، وعادت وظيفة المعلم لتتجاوز البعد التربوي إلى إعادة إنتاج الولاء للرمز السياسي الجديد. هذا التسييس القسري وضع المعلمات العلويات في موقع الشبهة الدائمة بشأن ولائهن للدولة الجديدة، حتى أضحت الهوية الطائفية بمثابة "مؤهل وظيفي" أو "مانع إداري" لممارسة مهنة التعليم. ولا تكتمل قراءة هذا المشهد المركب دون تقصي الخوف المتراكم لدى المعلمات العلويات أنفسهن؛ حيث آثرت كثيرات منهن عدم تجديد عقودهن الوظيفية تجنباً للالتحاق بمدارس في دمشق وإدلب وحمص وحماة -وهي مناطق لم تظهر بالضرورة رفضاً جماعياً لدخولهن- إلا أن العقدة النفسية والهاجس الأمني جعلا أولئك المعلمات يشعرن بالخطر، بعدما أُسقطت عنهن الصفة المهنية وتُحِمّلن وزر التبعات التاريخية للحرب. عقاب الفرد على جريمة لم يقترفها تغيير السلطة السياسية لا يعني تلقائياً محو الذاكرة الجمعية المتشكلة عبر عقود؛ فالكثيرون لا يزالون يمارسون منطق "المسؤولية الجمعية" بانسحاب أفعال النظام على الطائفة العلوية برمتها، بينما يتساء