وكان الاقتصاد قد سجل نموًا حقيقيًا بنسبة 4.2% خلال عام 2025، وفق البنك الدولي، إلا أن تجدد الصراع انعكس سريعًا على النشاط الاقتصادي والاستثمار والسياحة وحركة الأسواق. ويتوقع البنك الدولي أن ينكمش الناتج المحلي الحقيقي للبنان بنسبة 6.4% خلال عام 2026، في ظل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمساكن وتراجع النشاط الاقتصادي. وفي المقابل، يحاول لبنان الاستفادة من الفترة الحالية لإعادة ترتيب القطاع المالي. فقد أقر مجلس النواب في أغسطس/آب 2026 تعديلات على قانون تنظيم المصارف، وهي خطوة رحب بها صندوق النقد باعتبارها جزءًا من استراتيجية إعادة هيكلة القطاع المصرفي ووضع آلية أكثر انتظامًا لمعالجة المصارف المتعثرة. وتسعى بيروت أيضًا إلى التوصل إلى اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي. وفي سبتمبر/أيلول، قال وزير المالية ياسين جابر إن لبنان يأمل في الوصول إلى اتفاق على مستوى الموظفين، بعد إحراز تقدم في الإصلاحات، مشيرًا إلى أن الانتقال إلى برنامج كامل لا يزال مرتبطًا بإقرار قانون معالجة الفجوة المالية. ويشكل ملف الودائع أحد أكثر الملفات حساسية في الأزمة المالية اللبنانية. فالخسائر الناتجة عن الانهيار المالي منذ عام 2019 تقدر بنحو 70 مليار دولار وفق أرقام حكومية سابقة، فيما يفترض بقانون الفجوة المالية تحديد كيفية توزيع هذه الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين، بما يتيح وضع آلية تدريجية لاستعادة الودائع. أما على مستوى الأسعار، فما زالت معدلات التضخم مرتفعة. وبلغ التضخم السنوي في أغسطس/آب 2026 نحو 16.7%، مرتفعًا من 15.7% في يوليو/تموز، مع استمرار ارتفاع تكاليف السكن والنقل والخدمات. ويرى صندوق النقد أن الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي يتطلب ضبط الإنفاق العام ووضع إطار مالي متوسط الأجل، بالتوازي مع إصلاح القطاع المصرفي وحماية المودعين. كما شدد على ضرورة توفير مساحة مالية للإنفاق على إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية، خصوصًا مع ارتفاع أعداد النازحين داخليًا وتضرر البنية التحتية. وبذلك يجد لبنان نفسه أمام مسارين متوازيين: مسار إصلاحي يحاول إعادة بناء القطاع المصرفي واستعادة الثقة وفتح الباب أمام دعم دولي، ومسار اقتصادي يتأثر مباشرة بالتطورات الأمنية وكلفة إعادة الإعمار وارتفاع الأسعار. ويبقى نجاح الإصلاحات مرتبطًا بقدرة الدولة على تنفيذ القوانين وتحويلها إلى إجراءات عملية تعيد تنشيط الاقتصاد وتحسن قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات والموارد المالية.