من أروقة البرلمان إلى تحقيقات الشرطة، تتسع في النرويج تداعيات ملف رجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين، بعدما دفعت الوثائق التي كُشف عنها في الولايات المتحدة إلى فتح سلسلة جلسات استماع علنية بشأن علاقاته مع شخصيات سياسية ودبلوماسية نرويجية بارزة، بالتوازي مع تحقيقات تطال مسؤولين سابقين وتشكيل لجنة خارجية نادرة ستراجع أكثر من 30 عامًا من التاريخ الدبلوماسي للبلاد. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، استنادًا إلى وكالة "رويترز"، بدأ البرلمان النرويجي، الأربعاء، جلسات استماع علنية تتناول العلاقات التي أقامها سياسيون ودبلوماسيون نرويجيون مع إبستين، المدان بجرائم جنسية، في قضية أحدثت صدمة داخل النخبة السياسية والدبلوماسية في البلاد. وجاءت هذه التطورات بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية، في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، خلال كانون الثاني الماضي ملايين الوثائق المرتبطة بإبستين، كاشفة شبكة واسعة من العلاقات التي أقامها مع سياسيين وشخصيات ملكية وأثرياء حول العالم. وأدت التسريبات إلى تداعيات واسعة في النرويج، شملت تحقيقات برلمانية وتحقيقات للشرطة، فيما باتت الحكومة مطالبة بالإجابة عن أسئلة تتعلق بكيفية استعادة ثقة الرأي العام في السلك الدبلوماسي. وقال يوناس أندرسن سايد، الذي يرأس جلسات الاستماع في لجنة التدقيق والشؤون الدستورية في البرلمان، لوكالة "رويترز": "هناك كثير من الأشخاص الذين أظهروا سوء تقدير بالغًا"، في إشارة إلى مسؤولين أقاموا علاقات صداقة مع إبستين. واستدعت اللجنة 11 وزير خارجية ووزير تنمية حاليين وسابقين للإدلاء بإفاداتهم، بينهم رئيس الوزراء الحالي يوناس غار ستوره، الذي شغل منصب وزير الخارجية بين عامي 2005 و2012. وأكد ستوره أنه لم تكن له أي علاقة بإبستين، مشددًا على أن ما ظهر من مشكلات يتعلق، بحسب موقفه، بعدد محدود من الأفراد وليس بخلل منهجي داخل وزارة الخارجية. وأشار إلى أن القضايا التي كُشفت جرى التعامل معها أو لا تزال قيد المعالجة، ومن بينها تحديث قواعد تضارب المصالح الخاصة بصناع القرار. وقال ستوره إن "القواعد المحدّثة والشاملة ضرورية، لكن حتى أفضل نظام لا يوفر ضمانة كاملة ضد وقوع الأخطاء، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة"، مضيفًا أن "أي نظام يضم أشخاصًا لا يستطيع أن يضمن بالكامل عدم إساءة استخدام الثقة". كما أكد أنه، بحسب علمه، لم يكن لإبستين أي تأثير على السياسة الخارجية النرويجية أو سياسة المساعدات الإنمائية أو القرارات التي اتخذتها الدولة. ومن بين أبرز الشخصيات التي يفترض أن تظهر أمام اللجنة وزير الخارجية السابق بورغه برنده، الذي استقال أخيرًا من منصبه رئيسًا ومديرًا تنفيذيًا للمنتدى الاقتصادي العالمي بعد الكشف عن علاقته الودية بإبستين. وقال برنده إنه لم يكن على علم بماضي إبستين أو نشاطاته الجنائية عندما التقاه للمرة الأولى عام 2018، وأعرب عن أسفه لأنه لم يتحقق من خلفيته بشكل أكثر دقة. أما وزير التنمية السابق إريك سولهايم، الذي يُنتظر أن يدلي هو الآخر بإفادته، فانتقد التحقيق البرلماني ووصفه بأنه قد يتحول إلى "رد فعل مبالغ فيه" يدفع الدبلوماسيين إلى الإفراط في الحذر ويضر بالمصالح الوطنية. وحذر سولهايم من أن تؤدي القضية إلى تقييد طبيعة العمل الدبلوماسي النرويجي، خصوصًا أن أوسلو اعتادت التواصل مع أطراف تقاطعها دول أخرى، مثل "حماس" و"الإخوان المسلمين". وقال أمام اللجنة: "يجب أن نحمي دبلوماسية السلام لدينا وأن نقوم بالمزيد منها". لكن تداعيات القضية لا تتوقف عند جلسات البرلمان. فعدد من الشخصيات النرويجية البارزة المرتبطة بإبستين يخضعون حاليًا لتحقيقات للشرطة بشبهات فساد، بينهم رئيس الوزراء السابق ثوربيورن ياغلاند، والوزير السابق تيريه رود-لارسن، والدبلوماسية السابقة مونا يول. وقد نفى الثلاثة ارتكاب أي مخالفات جنائية. وكان رود-لارسن قد اعتذر عن علاقته الوثيقة بإبستين، وهي علاقة شملت حصوله على قرض شخصي من رجل الأعمال الأميركي، قبل أن يتنحى عام 2020 عن إدارة "معهد السلام الدولي" في نيويورك. كما امتدت القضية إلى العائلة المالكة، إذ اعتذرت الملكة مته ماريت، زوجة الملك هاكون، عن صداقتها السابقة مع إبستين، إلا أنها لا تخضع لجلسات الاستماع البرلمانية. وفي موازاة الجلسات، عيّن البرلمان النرويجي لجنة خارجية تضم أكاديميين وخبراء قانونيين للتحقيق في "المسائل والقضايا التي كشفت عنها" الوثائق، بهدف تعزيز نزاهة السلطات النرويجية وشفافيتها. ومن المقرر أن تراجع اللجنة أكثر من 30 عامًا من التاريخ الدبلوماسي للنرويج، على أن ترفع نتائجها في بداية عام 2028. وتكتسب هذه اللجنة أهمية استثنائية، إذ إنها التاسعة فقط من نوعها التي يشكلها البرلمان النرويجي خلال 140 عامًا، ما يعكس حجم الاهتمام الرسمي بالقض