في وقت تبدو فيه الليرة اللبنانية وكأنها دخلت مرحلة من الاستقرار بعد سنوات من الانهيار، يطرح ثبات سعر الصرف عند حدود 89,500 ليرة للدولار سؤالًا أساسيًا: هل انتهت أزمة الليرة فعلًا، أم أن ما نشهده لا يتجاوز تجميدًا لأحد أبرز أعراضها؟ وفي هذا الإطار رأى خبير المخاطر المصرفية محمد فحيلي الدكتور محمد فحيلي أن "استقرار سعر صرف الليرة عند حدود 89,500 ليرة للدولار منذ نحو ثلاث سنوات لا يعني أن أزمة الليرة انتهت، بل يعني أن أحد أعراض الأزمة، أي الانخفاض المستمر في سعر الصرف، قد جرى تجميده، فيما بقيت الأسباب البنيوية للأزمة من دون معالجة كاملة". وأوضح فحيلي أن "الاستقرار الحالي يرتبط بثلاثة عوامل أساسية: تحوّل الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد نقدي، وتراجع الاعتماد على القروض المصرفية بالليرة، وتوقّف مصرف لبنان عمليًا عن تمويل عجز الخزينة بالليرة، إضافة إلى شبه ثبات الكتلة النقدية المتداولة بالليرة". وأشار إلى أن "هذه العوامل أوقفت، إلى حد كبير، مسببات الانهيار الإضافي، لكنها لم تعالج الفجوة المالية التي كانت وراء الانهيار"، معتبرًا أن "ما نشهده هو استقرار مُدار، وليس بالضرورة استقرارًا ناتجًا عن تعافٍ اقتصادي ونقدي حقيقي". وشدد فحيلي على أن "الأزمة اللبنانية لم تكن في جوهرها أزمة سعر صرف، بل أزمة ملاءة مالية ومصرفية"، لافتًا إلى أن "الفجوة المالية في القطاع المصرفي لم تُحسم بصورة نهائية، كما لم تُوزّع الخسائر بشكل واضح بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف، فيما لا تزال الودائع المجمدة بالعملات الأجنبية غير متاحة للمودعين بقيمتها الحقيقية". وقال: "لا يمكن أن نتحدث عن تعافٍ نقدي كامل في ظل استمرار أزمة الثقة بالليرة وبالقطاع المصرفي. وما حصل يشبه تثبيت حرارة المريض من دون معالجة مصدر المرض: الحرارة توقفت عن الارتفاع، لكن المرض لم ينتهِ". هل يعكس سعر 89,500 القيمة الحقيقية لليرة؟ وعن مدى تعبير سعر الصرف الحالي عن القيمة الحقيقية لليرة، أوضح فحيلي أن "السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة، لأن لبنان لم يعد لديه سعر صرف واحد بالمعنى الاقتصادي الكامل، بل مجموعة أسعار مرتبطة بالاستخدام والغرض". وأشار إلى أن "هناك سعر السوق النقدي للمعاملات اليومية، وسعرًا للجباية الجمركية، وأسعارًا مختلفة لسحب الودائع المصرفية المجمدة، إضافة إلى أسعار تاريخية نتجت عن سلسلة التعاميم، من 151 إلى 158 و165 و166". وأضاف: "عندما تكون لدينا كل هذه الأسعار المتزامنة، يصبح السؤال الأدق: أي قيمة حقيقية نتحدث عنها ولمن؟ فالليرة التي يشتري بها المواطن حاجاته اليومية نقدًا ليست بالضرورة الليرة نفسها التي تُحتسب بها قيمة وديعته المصرفية المجمدة". وبرأيه، "حتى سعر السوق النقدي لا يعكس بالضرورة القيمة الاقتصادية الكاملة لليرة، لأن الطلب عليها تقلّص نتيجة انهيار الائتمان المصرفي وتراجع الودائع بالليرة، كما أن العملة فقدت إلى حد كبير وظيفتها كمخزن للقيمة ووحدة حساب، واحتفظت بصورة أساسية بوظيفة وسيط للتبادل". ويضيف: "كما لا يمكن تجاهل الاحتياطيات والفجوة المالية والمصرفية والدين العام وآلية توزيع الخسائر عند محاولة تقييم القيمة الحقيقية للعملة. لذلك، فإن استقرار سعر الصرف الحالي لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه العوامل". وعن موازنة 2027، اعتبر فحيلي أن "سعر الصرف قد لا يظهر كبند مستقل وصريح بعنوان توحيد سعر الصرف، لكنه سيكون حاضرًا بصورة غير مباشرة في معظم المعادلات المالية". وقال: "عندما تُحتسب الجباية الجمركية على أساس سعر قريب من سعر السوق، بينما تبقى بعض التزامات الدولة تجاه المودعين مرتبطة بأسعار مختلفة، فنحن أمام فروقات في التقييم لها أثر مالي واضح، حتى لو لم تُسمَّ صراحة سعر صرف". وأضاف أن "سعر الصرف يدخل أيضًا في احتساب القوة الشرائية للرواتب، وفي تقدير الإيرادات والنفقات، وفي معالجة الفجوة المالية والمصرفية، ولا سيما عند تحويل الالتزامات بالعملات الأجنبية إلى الليرة أو العكس". وأشار إلى أن "أي تقدم في مسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي سيعيد أيضًا مسألة توحيد سعر الصرف إلى الواجهة، باعتبارها جزءًا أساسيًا من معالجة التشوهات الناتجة عن تعدد أسعار الصرف". وختم فحيلي بالقول: "عدم مناقشة سعر الصرف كبند مستقل في الموازنة لا يعني أن تأثيره غائب. هو موجود داخل كل معادلة مالية تقريبًا. ولذلك، فإن استقرار الرقم عند 89,500 ليرة للدولار لا يعني أن الأزمة انتهت، بل يعني أن الضغط على سعر الصرف أصبح مختلفًا عن المرحلة السابقة. أما الاستقرار الحقيقي، فيحتاج إلى معالجة الفجوة المالية والمصرفية، وإعادة بناء الثقة، وتوحيد أسعار الصرف، وحسم آلية توزيع الخسائر".