لم يعد الجليد في أقصى شمال العالم مجرد حاجز طبيعي أمام صناعة النفط والغاز، بل أصبح جزءاً من معادلة اقتصادية تجمع أمن الطاقة بالمنافسة الجيوسياسية. فمن النرويج إلى روسيا وألاسكا، تتحول بعض الموارد القطبية إلى حقول وخطوط أنابيب ومرافئ وناقلات مقاومة للجليد، في حين تبقى موارد القطب الجنوبي خارج الاستثمار التجاري بموجب نظام قانوني دولي مختلف تماماً. وتقدّر هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن المناطق الواقعة شمال الدائرة القطبية قد تحتوي على نحو 90 مليار برميل من النفط و1,669 تريليون قدم مكعبة من الغاز و44 مليار برميل من سوائل الغاز غير المكتشفة والقابلة للاستخراج تقنياً، مع وجود نحو 84% منها في المناطق البحرية. لكن هذا التقدير، المنشور في عام 2008، لا يعني وجود احتياطيات مؤكدة بهذه الكميات. هو يقيس الاحتمال الجيولوجي والقدرة التقنية، ولا يحسم ما إذا كان استخراج الموارد سيحقق أرباحاً بعد احتساب تكلفة المنصات والأنابيب وكاسحات الجليد والتأمين والنقل. يقدم حقل "يوهان كاستبرغ" في بحر بارنتس نموذجاً لمشروع قطبي تمكن من تجاوز هذه العقبات. بدأ الحقل الإنتاج في آذار/مارس 2025، ووصل خلال ثلاثة أشهر إلى طاقته القصوى البالغة 220 ألف برميل يومياً. وتقدر موارده القابلة للاستخراج بين 450 و650 مليون برميل، فيما بلغت تكلفة تطويره نحو ثمانية مليارات دولار. وقالت شركة "إكوينور" إن المشروع قد يسترد تكلفته في أقل من سنتين، وفق افتراضات الأسعار والإنتاج المعتمدة عند تشغيله. وتعود جدواه جزئياً إلى استفادته من الخبرة النرويجية والبنية التحتية البحرية القائمة والنظام المالي المستقر. كذلك يطيل عمر صناعة النفط في شمال النرويج ويوفر نشاطاً للموردين والموانئ ومدينة هامرفست، إلى جانب الإيرادات الضريبية للدولة. في روسيا، لا ينفصل استخراج الطاقة في القطب الشمالي عن إعادة توجيه الصادرات نحو آسيا. ففي أيلول/سبتمبر 2026، بدأ مشروع "فوستوك أويل" تصدير النفط عبر محطة بوختا سيفير في شبه جزيرة تايمير، بمعدل أولي يقارب 150 ألف برميل يومياً. وتخطط "روسنفت" لرفع الإنتاج إلى 600 ألف برميل يومياً في أواخر عام 2027 ثم إلى مليون برميل بحلول عام 2030. ويضم المشروع 13 حقلاً وخط أنابيب بطول نحو 790 كيلومتراً، فيما تقدر الشركة قاعدة موارده بنحو 50 مليار برميل. لكن العقوبات دفعت مستثمرين أجانب إلى الانسحاب ورفعت تكلفة التمويل والتكنولوجيا والنقل. وظهر الأثر نفسه في مشروع "أركتيك للغاز المسال 2"، الذي اضطر إلى الاعتماد على عدد محدود من الناقلات والأسواق المستعدة لتحمل مخاطر العقوبات. كذلك شطبت "توتال إنرجيز" 4.1 مليارات دولار مرتبطة باستثمارها فيه قبل التخارج منه. وهكذا يمنح القطب موسكو طريقاً بديلة إلى آسيا، لكنه يجعل كل شحنة أكثر اعتماداً على الدعم الحكومي والأسطول المتخصص وشبكات التمويل والتجارة القادرة على التعامل مع العقوبات. في ألاسكا، يمضي مشروع "ويلو" التابع لـ"كونوكو فيليبس" نحو بدء الإنتاج مطلع عام 2029. وتُقدّر تكلفته بين 8.5 و9 مليارات دولار، مع إنتاج أقصى يبلغ نحو 180 ألف برميل يومياً وإجمالي متوقع قدره 600 مليون برميل خلال عمر المشروع. وتقدر الشركة والجهات الأميركية المؤيدة للمشروع أنه قد يولد بين 8 و17 مليار دولار من الضرائب والإتاوات للحكومة الفيدرالية وألاسكا والمجتمعات المحلية. وشغّل أكثر من 2,400 عامل خلال عام 2025، لكنه لا يوفر في الأجل البعيد سوى نحو 300 وظيفة دائمة، ما يوضح الفرق بين طفرة البناء والأثر المستمر بعد بدء التشغيل. أما مشروع "ألاسكا للغاز الطبيعي المسال"، فتتراوح تكلفته التقديرية بين 44.5 و54.5 مليار دولار، ويتطلب خط أنابيب يمتد نحو 800 ميل من الساحل الشمالي إلى محطة تسييل جنوب الولاية. ويستهدف إنتاج 20 مليون طن سنوياً للأسواق الآسيوية، لكن الاتفاقات غير الملزمة تغطي نحو 13 مليون طن فقط، فيما ينافس غازاً أقل تكلفة من خليج المكسيك وكندا. لذلك قد تكون قيمته الاستراتيجية أكبر من ربحيته التجارية. ليست كل دول الشمال في سباق التنقيب لا تتجه الدول القطبية كلها إلى استغلال النفط والغاز. تبقي كندا مياهها القطبية البحرية مغلقة إلى أجل غير محدد أمام التراخيص الجديدة، ومددت حظر أنشطة التنقيب في التراخيص القائمة حتى نهاية عام 2028، على أن يُراجَع القرار في ضوء الاعتبارات المناخية ومعارف السكان الأصليين والآثار الاقتصادية المحلية. وفي غرينلاند، قررت الحكومة منذ عام 2021 وقف إصدار تراخيص هيدروكربونية جديدة، بعدما خلصت إلى أن المخاطر البيئية مرتفعة وأن قسماً كبيراً من الموارد المحتملة لن يحقق أرباحاً. وفي أيلول 2026، جدد الاتحاد الأوروبي معارضته لحفر آبار نفط وغاز جديدة في القطب الشمالي، على الرغم من مطالبة النرويج بموقف أكثر مرونة لتعزيز أمن الطاقة