تطوي الولايات المتحدة اليوم صفحة أكثر من عقدين من الوجود العسكري في العراق، مع استكمال سحب قواتها وإخلاء القواعد والمنشآت التي كانت تنتشر فيها، في خطوة تعيد رسم المشهد الأمني داخل البلاد وتثير مخاوف من فراغ قد تستفيد منه الفصائل الموالية لإيران، بالتوازي مع تحذيرات من انكشاف إقليم كردستان واحتمال استعادة تنظيم داعش هامشًا للتحرك. وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع "ماكو" الإسرائيلي، تستكمل الولايات المتحدة، اليوم الأربعاء، انسحاب جميع قواتها العسكرية من العراق، بعد وجود بدأ مع الغزو الأميركي عام 2003، على أن يشمل الانسحاب إغلاق 9 قواعد ومنشآت أميركية كانت تعمل في أنحاء البلاد، وضمت أنظمة دفاع جوي استخدمتها القوات الأميركية خلال المواجهة مع إيران. وفي قلب عملية الانسحاب، يأتي معسكر "فيكتوري" المجاور لمطار بغداد الدولي، والذي شكّل على مدى سنوات أكبر مركز أميركي للقيادة والسيطرة والخدمات اللوجستية في المنطقة، وضم عددًا من مقرات القيادة والمنشآت الاستخباراتية ومنظومة للنقل الجوي. وقد سُلّم المعسكر إلى جهاز مكافحة الإرهاب العراقي. كما أخلت القوات الأميركية قاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار، التي كانت منشأة رئيسية للاستطلاع الجوي والعمليات الهجومية ومنظومات الرادار، إضافة إلى إخلاء معسكر "يونيون 3" داخل "المنطقة الخضراء" في بغداد وقاعدة حرير في أربيل بإقليم كردستان، والتي استخدمت مركزًا لجمع المعلومات الاستخباراتية وتشغيل الطائرات المسيّرة. وتبدّل حجم الوجود العسكري الأميركي في العراق بصورة كبيرة على مدى السنوات الماضية. ففي ذروة القتال عام 2007، كان لدى الولايات المتحدة نحو 170 ألف جندي موزعين على 505 قواعد في مختلف أنحاء العراق. وبعد ذلك تراجع الانتشار بصورة كبيرة، قبل أن يعيد صعود تنظيم داعش عام 2014 القوات الأميركية إلى البلاد بأعداد كبيرة تحت مظلة القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم". وخلال السنوات الأخيرة، استقر عدد القوات الأميركية في العراق عند نحو 2500 جندي، إلى جانب قرابة 1000 عنصر من قوات التحالف وحلف شمال الأطلسي "الناتو"، تركزت مهماتهم بصورة أساسية على التدريب والاستشارة وتقديم الدعم الاستخباراتي. وأكدت تقارير دولية متزامنة أن الانسحاب الحالي ينهي المهمة العسكرية الأميركية بعد أكثر من عقدين من الوجود، وسط مخاوف من انعكاساته على التوازن الأمني الداخلي. ومن أبرز جوانب الانسحاب أيضًا تفكيك شبكة الدفاع الجوي متعددة الطبقات التي نشرتها الولايات المتحدة في العراق. فبعد الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي نفذتها إيران والفصائل الشيعية، نشرت "سنتكوم" بطاريات "باتريوت" في قاعدتي عين الأسد وأربيل، من بين مواقع أخرى، لاعتراض صواريخ باليستية أُطلقت من إيران. كما شغّلت القوات الأميركية أنظمة "C-RAM" المزودة بمدافع "فولكان" في معسكر "فيكتوري" وبغداد وأربيل، لاعتراض الطائرات المسيّرة الهجومية والصواريخ قصيرة المدى. وضمت القواعد كذلك أنظمة "أفينجر" المزودة بصواريخ "ستينغر"، والمخصصة لإسقاط الطائرات وصواريخ الكروز التي تحلق على ارتفاع منخفض. وبحسب التقرير، فإن الانسحاب يشمل أيضًا الوحدات التي كانت تشغّل هذه الأنظمة، ما يعني غياب مظلة الدفاع الجوي الأميركية التي كانت منتشرة في عدد من المواقع العراقية. وفي إسرائيل، تُراقَب التطورات المرتبطة بالانسحاب الأميركي عن كثب، وسط تقديرات إسرائيلية بأن خروج قوات "سنتكوم" يزيل أحد العوامل المهمة التي كانت تعمل على كبح النفوذ الإيراني في العراق. ووفق التقرير، بدأت الفصائل الموالية لإيران بالفعل تقديم الانسحاب بوصفه انتصارًا، فيما تبرز مخاوف من أن يجد الجيش العراقي لاحقًا صعوبة في مواجهة هذه الفصائل بمفرده، وصولًا إلى مخاطر تراجع قدرته على فرض السيطرة. وهذه مخاوف وتقديرات وليست نتيجة محسومة للانسحاب. وفي السياق نفسه، وصف زعيم إقليم كردستان الانسحاب بأنه ترك للحلفاء مكشوفين، محذرًا من أن بقاء الأكراد من دون منظومات دفاع قد يجعلهم عرضة لهجمات خطيرة. ولا تقتصر المخاوف داخل العراق على النفوذ الإيراني، إذ يسود قلق أيضًا من أن يتيح الفراغ الأمني لخلايا تنظيم داعش فرصة لاستعادة نشاطها وإعادة تنظيم صفوفها، بما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاضطرابات الإقليمية. وتقاطعت هذه المخاوف مع تحذيرات نقلتها تقارير دولية من أن الانسحاب قد يمنح الفصائل المدعومة من إيران هامشًا أكبر ويتيح لداعش محاولة إعادة تجميع نفسه. وبين خروج آخر القوات الأميركية، وغياب أنظمة الدفاع التي كانت تغطي عددًا من المواقع الحساسة، تبدأ في العراق مرحلة جديدة سيكون اختبارها الأساسي في قدرة مؤسسات الدولة على ملء الفراغ، ومنع تحوله إلى مساحة صراع جديدة بين نفوذ إيران وخطر عودة داعش.