"ليبانون ديبايت"- العميد منير شحادة انتخابات إسرائيل: تغيير اسم في رأس السلطة أم تغيير في عقل الدولة؟ كل بضعة أسابيع، تُفتح في الإعلام نافذة جديدة على الانتخابات الإسرائيلية: استطلاع يرفع أسهم هذا المرشح، وآخر يخفض أسهم ذاك، وحسابات للمقاعد، وتحليلات حول مستقبل بنيامين نتنياهو، ومن سيخلفه، ومن يستطيع جمع ٦١ مقعدًا لتشكيل الحكومة. واليوم تقول استطلاعات حديثة إن حزب (يشر) بزعامة رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت يتقدم قليلًا على (الليكود) بزعامة نتنياهو، فيما لا تزال صورة الكتل عاجزة عن إظهار أغلبية واضحة لأي طرف. فيحتاج أي معسكر إلى بناء ائتلاف قادر على الوصول إلى ٦١ مقعدًا في الكنيست. لكن، بعيدًا عن لعبة الأرقام والمقاعد، هناك سؤال أكثر أهمية بكثير بالنسبة إلى المنطقة: ماذا سيتغير فعلًا إذا رحل نتنياهو؟ هل ستتوقف إسرائيل عن شن الحروب؟ هل ستتوقف الاغتيالات والغارات و الإبادة العمرانية؟ هل ستنتهي سياسة فرض الوقائع بالنار؟ هل ستتراجع إسرائيل عن منطق الضربات الاستباقية و(حرية العمل) العسكرية في لبنان وسوريا و فلسطين وإيران؟ أم أن الإسرائيليين سيغيرون رئيس الحكومة فقط، بينما تبقى الآلة نفسها، والعقيدة نفسها، والمؤسسة العسكرية نفسها، والمنظومة الأمنية نفسها؟ هنا تحديدًا يجب أن تتوقف كل هذه الاحتفالية الإعلامية حول (سقوط نتنياهو). المشكلة في جزء كبير من التغطية السياسية هي اختزال إسرائيل في شخص بنيامين نتنياهو. صحيح أن نتنياهو يتحمل مسؤولية سياسية عن سياسات حكومته، وصحيح أن شخصيته وأسلوبه وحساباته السياسية تركت بصمات واضحة على مسار الحرب، لكن اختزال السياسة الإسرائيلية كلها فيه يريح إسرائيل أكثر مما يفسرها. فنتنياهو ليس الجيش الإسرائيلي. وليس العقيدة الأمنية التي ترسخت على مدى عقود. وليس وحده من يحدد نظرة إسرائيل إلى إيران أو لبنان أو غزة أو سوريا. وهذه ليست قراءة من خارج إسرائيل فقط. فدراسة حديثة لـ(تشاتام هاوس) تشير إلى أن أحزاب المعارضة الرئيسية، رغم اختلافها مع نتنياهو، لا تقدم في ملفات إيران ولبنان وسوريا قطيعة استراتيجية واضحة مع توجهاته، بل تختلف بصورة أكبر في الأسلوب وطريقة الإدارة، مع مساحة أكبر للدبلوماسية، بينما يبقى الخيار العسكري حاضرًا بقوة. كما أن المعارضة، وفق التحليل نفسه، لا تقدم بديلًا واضحًا وجذريًا في القضية الفلسطينية. إذا كان خصوم نتنياهو يريدون تغيير طريقة إدارة الحرب أكثر من تغيير منطق القوة نفسه، فما الذي سيتغير بالنسبة إلى ضحايا هذه الحروب؟ قد يختلفون على الطريقة… لا على استخدام القوة هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج الانتخابات. يمكن لسياسي إسرائيلي أن يقول إن نتنياهو أخطأ في إدارة الحرب، من دون أن يقول إن الحرب نفسها كانت خطأ. ويمكنه أن يتهمه بالفشل في تحقيق أهدافه، من دون أن يرفض استخدام الجيش لتحقيق أهداف جديدة. ويمكنه أن ينتقد نتنياهو لأنه أضر بصورة إسرائيل الدولية، من دون أن يتخلى عن العمليات العسكرية التي أنتجت تلك الصورة. بل إن الخلاف قد يكون على متى تضرب إسرائيل وكيف تضرب وأين تضرب، لا على مبدأ الضرب نفسه. فمن ينتقد نتنياهو لأنه لم يكن حاسمًا بما يكفي، يمكن أن يتحول إلى أكثر تشددًا منه عندما يصل إلى السلطة. ومن يختلف معه لأنه أدار الحرب بصورة سيئة، قد يخوض الحرب نفسها بطريقة مختلفة. ومن يرفض أسلوب نتنياهو في التعامل مع الولايات المتحدة أو أوروبا، قد يكون أكثر حرصًا على الغطاء الدولي للعمل العسكري، لا أقل استعدادًا للعمل العسكري. وهنا تصبح عبارة (ما بعد نتنياهو) مضللة إذا فُهمت على أنها تعني تلقائيًا (ما بعد الحرب). حتى المعارضة لا تعرض قطيعة استراتيجية الأمر اللافت في التحليل الإسرائيلي للانتخابات المقبلة أن المعارضة لا تظهر كتيار يطرح انقلابًا كاملًا على السياسة الأمنية. (تشاتام هاوس) وصف الوضع بوضوح: المعارضة الرئيسية تكافح لتقديم بديل سياسي حقيقي، وفي ملفات إيران ولبنان وسوريا تبدو الفوارق مع حكومة نتنياهو أكبر في الأسلوب والمقاربة السياسية منها في الاتجاه الاستراتيجي. وهذا يعني أن وصول شخصية جديدة إلى رئاسة الحكومة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره ولادة إسرائيل جديدة. قد تتغير طريقة إدارة الملف الفلسطيني. قد تتغير العلاقة مع المؤسسة القضائية. وقد تتغير حتى لغة الخطاب السياسي. حتى الآن، لا توجد معطيات تسمح بالقول إن تغيير رئيس الحكومة سيؤدي تلقائيًا إلى ذلك. بل قد يصبح التغيير نفسه بابًا لمزايدة جديدة في إسرائيل، الأمن ليس ملفًا انتخابيًا عاديًا. إنه من أكثر الملفات تأثيرًا في الناخبين. ولذلك فإن السياسي الذي يريد منافسة نتنياهو لا يستطيع بسهولة أن يظهر أمام الجمهور الإسرائيلي وكأنه أقل تشددًا في مواجهة ما يعتبره المجتمع الإسرائيلي (تهديدات أمنية)