لم يعد السؤال في شأن «الاتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل يقتصر على موعد الجولة الثامنة من المفاوضات أو إذا كانت ستُعقد في أكتوبر أم رُحِّلَتْ لِما بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي، بل انتقل إلى ما هو أبعد: كيف يمكن ترجمة مبدأ «الخطوة مقابل خطوة» الذي يُفترض أن يحكم مسار التنفيذ، وما الخطوة اللبنانية التي ستواكب كل خطوة إسرائيلية في اتجاه الانسحاب من الأراضي اللبنانية؟ وإذا كانت هذه النقطة بقيت في الفترة الماضية واحدة من «الفراغات» التي تتركها الصيغة العامة لاتفاق الإطار، فإن المعطياتِ التي أعقبت لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن أعطتْها للمرة الأولى مضموناً تفاوضياً واضحاً عزّز المناخاتِ التي كانت تحدثتْ عنها «الراي» في عددها (الاثنين) عن أن معادلة التقابُل في سياق «المناطق التجريبية» الناظمة للانسحابِ الإسرائيلي من المنطقة الأمنية باتت تقوم على أن توسيعَ هذه المناطق وجَدْوَلتها جغرافياً وزمنياً يَقْتضي سَحْباً موازياً لسلاح «حزب الله» من مناطق في شمال الليطاني. وقد نقلت صحيفة «نداء الوطن» عن مصدر دبلوماسي مطّلع أن سلام «طَرَحَ على الجانب الأميركي ضرورة اعتماد جدول زمني ومبدأ التنفيذ المتوازي بين مساريْن، أي أن يترافق الانسحاب الإسرائيلي مع خطوات لبنانية ملموسة على صعيد حصر السلاح»، وأنه في هذا السياق، «اقترح أن يُقابِل انسحاب إسرائيل من منطقة في جنوب الليطاني إخلاء منطقة مماثلة شمال الليطاني من سلاح حزب الله، بما يضمن مبدأ التدرّج والتبادلية في التنفيذ». وتشي هذه المعطيات، بأنّ اتفاقَ الإطار وتحديداً جوهره المتمثّل في «المناطق التجريبية»، وفي ضوء عدم إطلاق الدولة اللبنانية مسار حصر السلاح شمال الليطاني، بات أمام متطلّبات جديدة إذا أريد دفْعه وإخراجه من الجمود، وبحيث باتت المعادلة واقعياً تَرتبط بتلازمٍ جغرافي بين مسارين: منطقةٌ جنوب الليطاني تُخْليها إسرائيل، في مقابل منطقة مماثلة شمال الليطاني يَجْري فيها سَحب سلاح الحزب من قِبل الجيش اللبناني. وتتحدّث أوساطٌ سياسية في بيروت عن أنّ خروج مسألة السلاحَ شمال الليطاني من «العتمة» – هو الذي يشكل جزءاً من اتفاق الإطار الذي تتمحور روحيته وبنود فيه حول حصر السلاح في كل لبنان – يأتي ليُلقي الضوء مجدداً على السؤال الذي رافَقَ اتفاق 26 يونيو منذ توقيعه بين بيروت وتل أبيب وواشنطن والذي يبدو أنه يعاد تعريفه حالياً: ما الذي يقدّمه لبنان عملياً مقابل الانسحاب الإسرائيلي؟ ففي المناطق التي مازالت إسرائيل تحتلّها جنوباً، كان واضحاً أن أي انسحاب يُفترض أن يترافق مع انتشار الجيش اللبناني وبَسط سلطة الدولة ومنْع إعادة إنشاء بنى عسكرية لـ «حزب الله». لكن الواقع أن الجيش الإسرائيلي، خلال احتلاله هذه المناطق، عمد، ومازال، إلى تدمير أجزاء واسعة ما يعتبره بنى عسكرية للحزب، الأمر الذي يطرح سؤالاً عملياً حول طبيعة المهمة اللبنانية التي ستواكب انسحابه وتكون «ثمناً» له، وما إذا كان المطلوب لبنانياً يَقتصر على تثبيت الانتشار والسيطرة جنوب الليطاني أم يمتدّ، بالتوازي، إلى مناطق تقع شمال النهر. ووفق هذه الأوساط، فإنّ انسحابَ إسرائيل من منطقةٍ جديدة «مطهَّرة» داخل «الخط الأصفر» وتسليمها للجيش اللبناني سيكون من دون «عائد» عسكري يُماثله ما دامت هي حققت الهدف بيدها أو قادرة على استكمال بلوغه من دون أي مقابل، وهو ما يطرح تالياً سؤالاً يُخشى أنه بات «الحاكِم» لمسار التفاوض والانسحاب: ما الخطوة التي يُفترض أن يقوم بها لبنان في المقابل وتُعتبر من «الوزن» نفسه؟ وهذا يلامس جوهر الإشكالية التي برزت مع التطورات الميدانية الأخيرة، ولا سيما مع انتقال الضغوط الإسرائيلية إلى مناطق تتجاوز نطاق الاحتلال المباشر جنوب الليطاني. فبعد علي الطاهر، انتقل التصعيد إلى إقليم التفاح ومرتفعات جزين، وهي أيضاً شمال الليطاني، وهو ما اعتُبر إشارةً من تل أبيب إلى أن هذه البقعة الإستراتيجية صارتْ ساحةً للضغط العسكري وستبقى كذلك ما لم تقم الدولة اللبنانية بخطوة فيها، وسط اعتقادٍ أن إسرائيل لن تسلّم بانسحابٍ تدريجي بوتيرةٍ مُجَدْوَلة من الجنوب من دون أن يرافق ذلك إطلاقُ الدولة اللبنانية إجراءات موازية في ما خصّ سلاح الحزب شمال الليطاني. وفي ظل اعتقادٍ أنّ الاتفاق الإطار بات أمام سؤال «كيف يُقاس تنفيذه»، وليس فقط «بماذا يُقاس» (آلية التحقق)، يُخشى أن العقدة الفعلية التي ستحدد مسار المرحلة المقبلة قد لا تكون في الانسحاب الإسرائيلي وحده، ولا في حصر السلاح وحده، بل في ترتيب العلاقة بين المسارين: أيّ مساحة لبنانية يقابلها أي انسحاب إسرائيلي، ومَن يحدد أن هذه المساحة أُخليت فعلاً مِن السلاح، وماذا يحدث إذا نفذ طرف خطوته ولم ينفذ الآخر خطوته المقابلة؟ وإذا كانت صيغة «الخطوة مقابل خطوة» قد بدت سابقاً ع