بعد كلام الحاج محمد رعد: المراجعة التي لم تبدأ بعد (أنطوان قسطنطين) مرَّت الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد سماحة السيد حسن نصرالله، صاحب البصمة الدامغة في تاريخ لبنان المعاصر. على مدى أكثر من ثلاثة عقود، كان الرجل الذي لا يتكرّر، حاضراً في المواجهة والسياسة، وفي وجدان بيئته، وقد انقسم اللبنانيّون عميقاً حول خياراته ودور حزبه وعلاقته بالدولة وبالمنطقة. يمكن أن نتفق أو نختلف حول تجربة السيد وقراراته، لكن لا يمكن قراءة ما حدث في لبنان منذ شباط 1992 حتى اليوم، من دون التوقف أمام حجم حضوره وأثر غيابه. العربوشعوب الشرق الأوسط إنّ احترام ذكرى مَن أمضى حياته في خدمة قضية آمن بها لا يكون بإقفال باب الأسئلة بعد رحيله، بل بفتحه. فالتاريخ لا يحفظ فقط ما أنجزه القادة أو أخفقوا فيه، بل أيضاً ما تتعلّمه الجماعات من تجارب قادتها. أنا لا أسعى، إلى السجال، بل أريد أن أطرح على الحزب أسئلة من وحي التجربة: ماذا تعلّم ممّا جرى؟ ما الذي يريد أن يحافظ عليه؟ وما الذي بات يحتاج إلى مراجعة؟ لهذا، توقفت طويلاً عند كلام النائب الحاج محمد رعد، عن أنّ «حزب الله» أجرى «مراجعة عميقة» للمسار الذي بدأ في الثامن من تشرين الأول 2023، وأنّ هذه المراجعة انتهت إلى تأكيد صواب قرار إسناد غزة، فيما تحدّث عن خلل جزئي ذي طابع تكتيكي. هذا هو الموقف الذي عرضه الحاج محمد رعد، وهو يستحق النقاش كما هو، لا كما يريد خصوم الحزب أن يسمعوه، ولا كما يريد أنصاره أن يفسّروه. لن أسأل «حزب الله»: هل أخطأتم أم أصبتم، فالسؤال صار جزءاً من السجال اللبناني العقيم، حيث يعرف كل فريق الجواب قبل أن يبدأ النقاش. ماذا تعني المراجعة إذا كانت النتيجة أنّ القرار الاستراتيجي بقي صحيحاً، وأنّ الخلل كان تكتيكياً في التنفيذ؟ ليس السؤال تشفياً بما أصاب الحزب، ولا إنكاراً للعدوان الإسرائيلي والاحتلال، ولا لحق لبنان في الدفاع عن أرضه. كما لا يجوز اختصار النقاش بمطالبة جماعة لبنانية بأن تتخلّى عن هواجسها، فيما العدو الإسرائيلي لا يزال يحتل أرضاً لبنانية، ويواصل عملياته العسكرية في الجنوب وانتهاكه لسيادة لبنان بلا رادع. لكنّ حجم ما جرى منذ تشرين الأول 2023 يجعل السؤال مشروعاً: هل كانت المشكلة فعلاً في التكتيك وحده؟ وعندما تتغيّر موازين القوى، ويتلقّى الحزب بقيادته وبيئته ضربة بهذا الحجم، وتتغيّر سوريا والمنطقة من حوله، وتُطرح ترتيبات جديدة للجنوب، ويصبح دور الجيش ومستقبل الأمن على الحدود وإعادة الإعمار جزءاً من مفاوضات تتجاوز لبنان، فإنّ المراجعة لا تعود شأناً تنظيمياً داخلياً فقط. فالوقائع الإقليمية واللبنانية نفسها تغيّرت، والنقاش الدائر اليوم يتناول تحديداً مستقبل الجنوب أرضاً وشعباً، ودور الجيش والدولة، وترتيبات الأمن المقبلة. والأهم من السلاح نفسه هو: مَن يملك قرار استخدامه؟ لنفترض جدلاً أنّ الحزب احتفظ بقدرات عسكرية ما، أو دخل في صيغة دفاعية جديدة، أو جرى الاتفاق مستقبلاً على استراتيجية للأمن الوطني؛ يبقى السؤال السابق لكل هذه التفاصيل: مَن الذي يقرّر الحرب عند حصول أي عدوان؟ ومَن يتحمّل أمام اللبنانيّين مسؤولية القرار والنتائج؟ هذه المسألة ليست تقنية، بل تتصل بفكرة الدولة نفسها. أفهم أن يقول «حزب الله» إنّ الدولة لم تثبت حتى الآن قدرتها على حماية لبنان، وإنّ النقاش في السلاح لا يمكن فصله عن الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وانتشار الجيش والاستراتيجية الدفاعية. وقد عرض النائب محمد رعد هذا التسلسل بوضوح في مقابلته. هنا تظهر المعضلة، فإذا انتظرنا أن تصبح الدولة قوية لنسلّمها القرار، فهل تصبح قوية إذا بقي قرار الحرب خارجها، وإذا اندلعت حرب ومزّقتها من دون إرادتها؟ وإذا قلنا إنّ الدولة عاجزة عن الدفاع عن لبنان، فهل يكون العلاج ببقاء القرار موزّعاً بين الدولة والحزب، أم ببناء قدرة وطنية تكون الدولة فيها صاحبة القرار والقوة في آنٍ؟ أنا لا أدّعي امتلاك جواب سحري. لا أعتقد أنّ نزع سلاح «حزب الله» بالقوّة يصنع دولة، كما لا أعتقد أنّ تجاهل وجود السلاح خارج الدولة يحلّ المشكلة. يقتضي الإنصاف أن تُطرح الأسئلة نفسها في الاتجاه الآخر أيضاً. إلى الذين يعتبرون أنّ المشكلة تبدأ بسلاح «حزب الله» وتنتهي بتسليمه إلى الدولة: ماذا بعد التسليم؟ كيف تحمون لبنان من إسرائيل؟ وهل الدولة اللبنانية، بواقعها وإمكاناتها الحالية، قادرة وحدها على ردع اعتداء أو منع احتلال أو فرض انسحاب؟ وإذا لم تكن قادرة، فما الخطة لجعلها قادرة؟ وهل تكفي القرارات الدولية والضمانات الخارجية، أم أنّ لبنان يحتاج إلى قدرة دفاعية فعلية لا إلى مجرّد موقف سياسي؟ هنا تكمن قوّة ورقة حماية لبنان. ليس مقبولاً أن يُطلب من «حزب الله» أن يجيب عن مستقبل سلاحه، فيما يُعفى خصومه من الإجابة عن مستقبل أمن لبنان. فالقول بحصرية السلاح في يد الدولة، هو مبدأ