يتحرك لبنان الرسمي بنحو طارئ في واشنطن وعواصم القرار الأخرى، لمواجهة وضعية استنزاف شديدة الخطورة جنوباً، حيث تشير المعطيات إلى أنّ إسرائيل ليست في صدد التخطيط لأي انسحاب من جنوب لبنان في المدى المنظور، بل هي تمضي قدماً في تثبيت حزام أمني عازل داخل «الخط الأصفر»، وعلى الأرجح، ستتعمّد ترحيل الأزمة برمتها إلى ما بعد الاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية والأميركية، أي إلى بدايات سنة 2027، وفق ما قالت مصادر سياسية لـ«الجمهورية». وتضيف المصادر، أنّ الوفد اللبناني إلى واشنطن، برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، يواجه مواقف أميركية صارمة. فقد أظهرت اللقاءات، وخصوصاً مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ومسؤولي الإدارة، أنّ واشنطن تربط ملف الانسحاب الإسرائيلي واستعادة التعافي المالي، بمدى قدرة الدولة اللبنانية على اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة لسحب سلاح «حزب الله»، وتفكيك الشبكات المالية التابعة له ولإيران. وهذه الشروط الحازمة تضع الحكومة اللبنانية أمام اختبار معقّد، حيث يُطلب منها إنجاز إصلات هيكلية في القطاع المصرفي، بالتوازي مع فرض حصرية السلاح، كشرط أساسي لاستعادة الثقة الدولية والمالية. وتؤكّد المصادر نفسها، أنّ الاستحقاق الأبرز الذي يواجهه الجنوب اللبناني يتمثل في اقتراب نهاية ولاية قوات «اليونيفيل»، في ظل رفض أميركي - إسرائيلي صريح للتمديد لها بشروطها الحالية، وعدم وجود صيغة دولية بديلة جاهزة حتى الساعة. وهذا الانسداد حذّر منه رئيس مجلس النواب نبيه بري، المتمسك بضرورة الحفاظ على مظلة الأمم المتحدة لمنع الدخول في مرحلة «فراغ أمني» مطلق يستغله الاحتلال. وعلى رغم من الجهود الديبلوماسية المبذولة لطرح شبكات أمان بديلة، فإنّ فرضية الفراغ الميداني تبدو الأقرب إلى الواقع في المدى القريب، ما يترك الحدود بلا ضوابط دولية ضامنة. وكتب نبيل بومُنصف في" النهار": كلما ارتفعت وتيرة التقليل من أهمية التحركات الخارجية لأركان السلطة وأثرها، وتحديدًا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الخارجية، على ألسنة السياسة والإعلاميين "الممانعين"، تبدت أهمية كسر نمطية عميقة ملازمة للدولة العميقة التي أقامتها وصايتهم المسلحة والمافيوية منذ عقود. فلبنان الذي يقف في هذه اللحظة على بعد شهر من الانتخابات العامة الإسرائيلية، وخمسة أسابيع تقريبًا من الانتخابات النصفيّة في الولايات المتحدة الأميركية، يواجه في أفضل الافتراضات واقع السقوط الطويل الممتد في ستاتيكو جامد يقلص اندفاعات السلطة الرسمية إلى تحريك الحلول الكبرى لأزمة الحرب. هذا الجانب لن يطمس في المقابل ما بات معروفًا معالم الخطورة القصوى في الاستعداد لفراغ أممي ينهي عقودًا طويلة من انتداب القوات الدولية العاملة في الجنوب. إذا كانت الذكرى الثانية لاغتيال زعيم "حزب الله" السيد حسن نصرالله عكست الكثير من مواطن التراجعات والوهن والإضعاف التي أصابت الحزب، فإن الجانب الآخر منها عكس أيضًا خطورة مضي إيران في الإمساك بناصية ذراعها وما تبقى منها، علمًا أن هذا المتبقي لا يجوز في أي شكل التقليل منه في التسبب بمزيد من الكوارث في لبنان. بذلك سيغدو الستاتيكو الميداني جنوبًا أقرب السيناريوهات إلى الواقعية، ولو فاضت التوقعات المستعجلة بأن الجيش الإسرائيلي قد يوسع احتلاله نحو إقليم التفاح ومرتفعات الريحان! وكتبت روزانا بومنصف في" النهار": على رغم وجاهة المبررات التي يقدمها لبنان الرسمي لعدم إقدامه على تنفيذ قرار حصر السلاح في يد الدولة بالقوة، تفاديا لمواجهة داخلية أو حرب أهلية، فهو بالنسبة إلى مراقبين دبلوماسيين أضعف موقفه وحشر نفسه في خانة خيارات أقل ما يقال فيها إنها مربكة بالنسبة إليه. والحال أن تثبيت سلطته بات رهناً بجملة عوامل تتلخص في إقناع الحزب بالتجاوب مع قرارات الدولة، وهو أمر يرفضه الحزب كلياً حتى الآن على الأقل. في وقت يتشدد الحزب أكثر ويظهر تعنتاً وتمرداً، مطمئناً إلى أن الدولة لن تقسو عليه. ومعلوم أن الأمر يرتبط أيضاً بعامل أبعد يتصل بمساومات تجريها طهران ربطاً بمفاوضاتها مع الولايات المتحدة، ولبنان ربما ينتظر أن تستكمل إسرائيل حربها على الحزب من أجل إضعافه أكثر، ومن شأن هذا الاحتمال رفع الكلفة على لبنان إلى مستويات مختلفة. خلال استقباله رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أنه أكد له أن اتفاق الإطار "يمثل المسار الوحيد للتوصل إلى سلام دائم بين لبنان وإسرائيل"، في طمأنة معلنة ومتجددة إلى أن مسار لبنان سيبقى منفصلاً عن المسار الإيراني. وكتب عبدالوهاب بدرخان في" النهار": عندما أصبح نزع سلاح "حزب إيران / حزب الله" مطلباً لبنانياً صار أيضاً عالمياً، ولذا تشترطه إسرائيل وتستخدمه لتبرير احتلالها/ تدميرها أجزاء واسعة من جنوب لبنان. لكن الملاحظ أنها لا تتعرّض لانتقادات وإدانات كتلك التي توجّه إليها