يكشف كلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بعد لقائه رئيس الحكومة نواف سلام أن الولايات المتحدة لا تبدو في وارد ممارسة أي ضغط فعلي على إسرائيل للقيام بخطوة إيجابية تجاه لبنان، بل تواصل وضع ملف نزع سلاح حزب الله في مقدمة أولوياتها، باعتباره شرطاً أساسياً لأي تقدم في الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل. وهذا يعني عملياً أن الموقف الأميركي جاء ليُسقط مفاعيل اللقاء الذي يحاول المروّجون لزيارة رئيس الحكومة تقديمه بصورة إيجابية، ويعطل طرح الرئيس سلام القائم على التبادلية والمرحلية، بحيث يصبح لبنان مطالباً بتنفيذ ما عليه أولاً، قبل أن يحصل على أي التزام إسرائيلي بالانسحاب أو وقف الاعتداءات. ففي الوقت الذي يُطلب فيه من لبنان اتخاذ خطوات عملية في ملف السلاح وتعزيز انتشار الجيش في الجنوب، تواصل إسرائيل اعتداءاتها، وقد طالت المنصوري وجبل الرفيع ومرتفعات إقليم التفاح وغيرها في محاولة لقضم المزيد من المساحات، في حين ذهب وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى أبعد من ذلك في الدعوة لضم الأراضي اللبنانية المحتلة الواقعة ضمن الخط الأصفر إلى الكيان الإسرائيلي. هذه الوقائع تطرح سؤالاً جوهرياً عن جدوى أي مسار تفاوضي لا يترافق مع ضغط أميركي على إسرائيل، خصوصاً أن واشنطن تبدو وكأنها تربط أي انسحاب إسرائيلي إضافي بخطوات لبنانية مسبقة، ما يبقي لبنان رهينة الاحتلال من جهة، والضغط الأميركي من جهة أخرى، ويدفع باتجاه مواجهة بين السلطة اللبنانية وحزب الله. تدرك رئاسة الجمهورية والمؤسسة العسكرية على حد سواء خطورة هذا الطرح، خصوصاً أن إسرائيل تسعى منذ زمن إلى إشعال الفتنة في لبنان بما يسمح لها بتوسيع هامش حركتها والتدخل في المعادلة السياسية والعسكرية اللبنانية، على غرار ما جرى في العام 1982. ولا ينفصل هذا المسار عن الغموض الذي يحيط بمستقبل الجنوب مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل، خصوصاً أن الرئيس سلام لم يتطرق إلى هذا الملف في تصريحاته التي أعقبت لقاءه بروبيو في واشنطن. وبحسب المعلومات، فإن روبيو أبلغ سلام رفض الولايات المتحدة تمديد ولاية اليونيفيل، ووضع فيتو على حلول تقوم على نشر قوات أوروبية تحت مظلة الأمم المتحدة، مقابل الاكتفاء بلجنة تنسيق برئاسة قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي الجنرال براد كوبر، بما يعيد استنساخ آلية لجنة الميكانيزم التي فشلت في مراقبة وقف إطلاق النار، وتحولت إلى مجرد عدّاد للخروقات الإسرائيلية، من دون أن تتمكن من منعها أو فرض أي آلية فاعلة على إسرائيل. والأخطر أن الصيغة المطروحة قد تضع الجيش اللبناني أمام نوع من التطبيع العسكري القسري مع العدو الإسرائيلي، عبر فرض التعاون والتنسيق معه تحت عنوان ترتيبات الجنوب، بالتزامن مع الإصرار الأميركي على ضرورة انتشار الجيش اللبناني جنوباً. وهذا ما ترفضه المؤسسة العسكرية، كما ترفضه أكثرية اللبنانيين، لأن المطلوب من الجيش اللبناني أن يحمي الجنوب ويثبت حضور الدولة، لا أن يتحول انتشاره إلى مدخل لفرض علاقة عسكرية وأمنية مع جيش العدو الإسرائيلي. هذا الواقع يجعل لقاء واشنطن، بدل أن يشكل مدخلاً إلى تسوية متوازنة، أقرب إلى تثبيت معادلة تحاكي التوجهات الإسرائيلية بإبقاء لبنان تحت الاحتلال، وتفتح في الوقت نفسه الباب أمام محاولة فرض مواجهة داخلية، فيما يبقى الجنوب أمام ترتيبات أمنية جديدة قد تحمل مخاطر سياسية وعسكرية تتجاوز مجرد إعادة تنظيم انتشار الجيش.