بين البيانات السياسية التي أُلقيت في مؤتمر حزب العمال البريطاني، كانت كلمة وزير الخارجية والزعيم السابق للحزب، إد ميليباند، الأكثر إثارة للانتباه. ببداية شخصية وعاطفية، انطلق ميليباند في كلمته من الحديث عن والديه، الناجين من الهولوكوست، واللاجئين إلى بريطانيا أثناء الحرب وبعدها. تلك الإزاحة في الخطاب بشأن اللاجئين، تحول دفته من وصفه حديثاً عن الآخرين إلى حديث عن تاريخ مشترك يدعو للفخر. الإحالة إلى الحرب العالمية الثانية ليست عابرة، فوزير الخارجية المحسوب على يسار حزبه، يتباهى بدور حكومات العمال بعد الحرب في تأسيس النظام العالمي القائم، والأمم المتحدة وحلف الناتو، ويربط هذا بالحاجة إلى إعادة بناء نظام عالمي جديد. في هذا، يقرر ميليباند أن النظام الحالي لم يعد صالحاً، أو أن عطباً لحق به غير قابل للإصلاح، ويعدد الأسباب التي تدفعه لتلك الخلاصة، ومنها "الحرب القريبة" في أوكرانيا، أو كما يصفها بأنها حرب لم تشهد أوروبا مثلها منذ الحرب العالمية الثانية. لا يشير ميليباند في كلمته إلى الولايات المتحدة سوى بأن الشراكة معها لا تزال أساسية، وضمناً يشير إلى الضعف الذي لحق بتلك العلاقة الخاصة عبر المحيط حين يضيف "ولكن"، ويؤكد بعدها على ضرورة تعميق الشراكة البريطانية مع أوروبا، وعلى أن تلعب تلك القارة أدواراً أكبر في شأن أمنها الخاص. في جزء منها، تبدو كلمة وزير الخارجية وكأنها خطبة حرب، تركز بالأساس على التسليح وميزانيات الدفاع، حيث تبدو كل قيم الديمقراطية والقانون الدولي والحرية على "خط النار". روسيا بوتين هي الفاشية الجديدة، أما الولايات المتحدة فلم يعد الاعتماد عليها ممكناً كما في المرة السابقة؛ أولاً لأنها قررت التخلي عن حلفائها، وثانياً لأن محدودية قوتها تتبدى في حرب صغيرة جارية الآن. في جزء آخر من خطبته، يبدو وكأن ميليباند يعيد صدى مقولة رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، عن ضرورة أن تعمل القوى المتوسطة معاً، أو كأنه يعود إلى نهج ديغول بعد الحرب، والداعي إلى بناء منظومة للأمن الأوروبي تضم ألمانيا المعاد تأهيلها، وهو الأمر الذي رفضه تشرشل حينها، مفضلاً بواقعية الاعتماد على الولايات المتحدة لمواجهة الاتحاد السوفيتي. يعود حزب العمال في مؤتمره اليوم وكأنه يحاول تصحيح التاريخ. الطموحات البريطانية بشأن دور عالمي لا تتوافق مع أوزان القوى الحقيقية، ويقر ميليباند بذلك حين يقول "لنكن أمناء، من الصعب تغيير العالم"، ويغطي على تلك الهشاشة بشعار حماسي هو "المثالية الصامدة". لكن اللافت هو كيف أن الحديث عن الحاجة لإعادة بناء النظام العالمي لم يعد يأتي من أسفل، أي من دول الجنوب، بل يأتي من أعلى، ومن دولة عضو دائم في مجلس الأمن. بين عناوين مثل الأزمة المناخية والذكاء الاصطناعي والحرب في إيران، يمر عليها الوزير البريطاني سريعاً، تحظى المسألة الفلسطينية بمساحة كبيرة نسبياً في كلمته. بشدة يدين الوزير البريطاني ما يطلق عليه "جرائم الحرب" في غزة، و"إرهاب" المستوطنين في الضفة الغربية، و"الاحتلال غير القانوني" و"التطهير العرقي" الذي ترتكبه إسرائيل في حق الفلسطينيين. يخفف ميليباند من تلك النبرة بالإشارة إلى أن مشكلته مع حكومة إسرائيل وليس شعبها، وكذا بإشارة عائلية أخرى عن أن إسرائيل منحت جدته ملجأ بعد الحرب. لا يقدم الوزير البريطاني أي وعود إضافية بشأن الضغط على إسرائيل، بل يكتفي بتكرار الإشارة إلى العقوبات الرمزية التي فرضها على المستوطنات الإسرائيلية، لكن ما لا يمكن إغفاله هو التحول الحاد في خطاب إدانة إسرائيل، والمساحة التي صارت تحتلها القضية الفلسطينية في السياسات الحزبية والمحلية في أوروبا، وفي نظام عالمي قيد التشكل.