يتحرك لبنان الرسمي بشكل طارئ في واشنطن وعواصم القرار الأخرى، لمواجهة وضعية استنزاف شديدة الخطورة جنوباً، حيث تشير المعطيات إلى أن إسرائيل ليست في صدد التخطيط لأي انسحاب من جنوب لبنان في المدى المنظور، بل هي تمضي قدماً في تثبيت حزام أمني عازل داخل "الخط الأصفر"، وعلى الأرجح، ستتعمد ترحيل الأزمة برمتها إلى ما بعد الاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية والأميركية، أي إلى بدايات العام 2027. وثمة أربعة محاور تختصر المشهد اللبناني المركّب:ففي الميدان، تواصل الماكينة العسكرية الإسرائيلية عمليات التدمير الممنهج للبنى التحتية والمدنية جنوباً، وهو ما تجلى في العملية الواسعة التي أعلنت استكمالها في بلدة المنصوري، عبر تفجير مئات الأهداف وإزالة المسارات تحت الأرض. وتستغل إسرائيل الشلل التفاوضي لربط أي انسحاب ميداني بإنهاء وجود حزب الله العسكري، في ظل قلق إقليمي أثارته التصريحات الإسرائيلية الأخيرة، ولاسيما مواقف وزير المال بتسلئيل سموتريتش، الداعية إلى ضم أراضٍ في غزة والضفة والجنوب اللبناني، والتي قُوبلت بإدانات عربية صريحة من السعودية وقطر.في الموازاة، يخوض لبنان الرسمي دبلوماسية "الخرطوشة الأخيرة" في أروقة واشنطن. ويواجه الوفد اللبناني إلى واشنطن، برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، مواقف أميركية صارمة. فقد أظهرت اللقاءات، وخاصة مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ومسؤولي الإدارة، أن واشنطن تربط ملف الانسحاب الإسرائيلي واستعادة التعافي المالي بمدى قدرة الدولة اللبنانية على اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة لسحب سلاح حزب الله، وتفكيك الشبكات المالية التابعة له ولإيران. وهذه الشروط الحازمة تضع الحكومة اللبنانية أمام اختبار معقد، حيث يُطلب منها إنجاز إصلاحات هيكلية في القطاع المصرفي بالتوازي مع فرض حصرية السلاح، كشرط أساسي لاستعادة الثقة الدولية والمالية. ويأتي ذلك فيما يجدد الرئيسان جوزاف عون وسلام رهانهما على دور واشنطن في دعم لبنان.والاستحقاق الأبرز الذي يواجهه الجنوب اللبناني يتمثل في اقتراب نهاية ولاية "اليونيفيل"، في ظل رفض أميركي- إسرائيلي صريح للتمديد لها بشروطها الحالية، وعدم وجود صيغة دولية بديلة جاهزة حتى الساعة. وهذا الانسداد حذّر منه رئيس مجلس النواب نبيه بري، المتمسك بضرورة الحفاظ على مظلة الأمم المتحدة لمنع الدخول في مرحلة "فراغ أمني" مطلق يستغله الاحتلال. ورغم الجهود الدبلوماسية المبذولة لطرح شبكات أمان بديلة، فإن فرضية الفراغ الميداني تبدو الأقرب إلى الواقع في المدى القريب، ما يترك الحدود بلا ضوابط دولية ضامنة.وإزاء كل ذلك، تسعى السلطة الرسمية إلى تثبيت شرعيتها كخيار وحيد لبناء المستقبل. ويتجلى ذلك في استمرار تقديم الدعم الدولي للمؤسسة العسكرية، وأحدث مظاهره تسلّم الجيش دفعة جديدة من الآليات والشاحنات العسكرية ضمن برنامج المساعدات الأميركية لتعزيز قدراته التشغيلية في المرفأ، فيما يركز الخطاب الرسمي على بسط سيادة الدولة الشاملة تحت شعار "لا دولة بجيشين ولا بقرارين". بري: الضغط الأميركي والتمسك باليونيفيل ومن عين التينة، أعاد رئيس مجلس النواب نبيه بري وضع الكرة في الملعب الأميركي، خلال لقائه عضوي الكونغرس دارين لحود وجوش غوتهايمر، معتبراً أن الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب هما القادران على ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف حربها على لبنان. وبحسب بري، فإن العائق الأساسي أمام تثبيت وقف الحرب يبقى عدم التزام إسرائيل بموجبات الاتفاقات التي أبرمت لهذه الغاية. لكن الأهم في موقف بري كان إعادة ملف "اليونيفيل" إلى الواجهة، إذ اعتبر أن الوقت لا يزال متاحاً لتفادي "خطيئة" عدم التجديد للقوة الدولية. ويعكس هذا الموقف حجم القلق من المرحلة التي قد تلي انتهاء مهمتها، ولا سيما في غياب اتفاق على قوة بديلة أو آلية دولية واضحة تستطيع ملء الفراغ. هذه المخاوف اللبنانية تقابلها في واشنطن شروط واضحة. فزيارة رئيس الحكومة نواف سلام أظهرت أن الإدارة الأميركية لا تفصل بين الملفات الأمنية والمالية والسياسية، بل تتعامل معها ضمن سلّة واحدة عنوانها تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها وإعادة بناء النظام المالي. وفي لقاء سلام مع وزير الخزانة سكوت بيسنت، برز المطلب الأميركي باتخاذ إجراءات حاسمة ضد الشبكات المالية التي تقول واشنطن إنها مرتبطة بإيران وحزب الله، إلى جانب إصلاحات أساسية في القطاع المصرفي. وفي المقابل، يسعى لبنان إلى الحصول على دعم أميركي لمسار التعافي المالي، بالتوازي مع الضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها والانسحاب. وهذا ما كرره رئيس الجمهورية جوزاف عون أمام وفد الكونغرس، مؤكداً تعويل لبنان على الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل وإلزامها تنفيذ "اتفاق الإطار" بالكامل. بذلك، يصبح الرهان اللبناني على واشنطن مزدوجاً: الضغط على إسرائيل من جهة، وتأمين غ