انتقل الصراع المتصاعد داخل المعسكر المحافظ في إيران من قاعة البرلمان إلى سجن إيفين، بعدما بدأ النائب ورجل الدين المتشدد حميد رسائي تنفيذ حكم بالسجن 10 أشهر إثر شكوى تقدم بها رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، على خلفية اتهامات نشرها رسائي بشأن التلاعب بوثائق برلمانية، في قضية تكشف اتساع الخلافات داخل المؤسسة الحاكمة حول المفاوضات مع الولايات المتحدة واستخدام القوة العسكرية. وبحسب تقرير نشره موقع "N12" الإسرائيلي، نُقل رسائي يوم الأحد إلى سجن إيفين في طهران لتنفيذ عقوبته، على أن يمضيها في الجناح المخصص لرجال الدين. وأكدت السلطة القضائية الإيرانية أن الحكم النهائي صدر بحقه بعد إدانته بتهمة «نشر معلومات كاذبة بقصد الإضرار بالغير». وتعود القضية إلى مطلع عام 2024، أي قبل انتخاب رسائي عضوًا في البرلمان الحالي، عندما كان يتولى رئاسة تحرير الأسبوعية المتشددة «9 دي». ونشرت الصحيفة آنذاك مادة اتهمت قاليباف بـ«التلاعب بوثائق البرلمان»، ما دفع الممثل القانوني للبرلمان إلى إحالة شكوى إلى النيابة في 3 شباط 2024. كما نشر رسائي مقطعًا عبر قناته على «تلغرام» وصف فيه قاليباف بأنه «ديكتاتور برلماني». إلا أن المحكمة برأته من هذه العبارة تحديدًا، فيما أدانته على خلفية الادعاءات المرتبطة بتزوير الوثائق وتغييرها، بعدما خلصت إلى أن الاتهام لم يثبت. وخلال الإجراءات القضائية، طُلب من رسائي الاعتذار عن المنشور، لكنه رفض ذلك وأعلن تمسكه بموقفه. وفي كلمة ألقاها داخل البرلمان، وصف الحكم بأنه «سياسي وغير قضائي»، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه سيمتثل له لأنه صدر كقرار قضائي. كما اعترض على شدة العقوبة، معتبرًا أنه، باعتبارها إدانته الأولى، كان يفترض أن يحصل على الحد الأدنى المنصوص عليه في القانون، أي 91 يومًا من السجن، بدلًا من 10 أشهر. واتخذت المحكمة خطوة إضافية لافتة، إذ ألزمت رسائي بنشر توضيح وتصحيح على الصفحة الأولى من أسبوعية «9 دي»، مستخدمًا الخط نفسه وحجم العنوان نفسه اللذين استُخدما في نشر المادة الأصلية ضد قاليباف، رغم أن الأسبوعية لم تصدر منذ عامين. ونظرًا إلى كون رسائي رجل دين، تولى مكتب الادعاء الخاص برجال الدين قضيته، قبل أن تنظر فيها محكمة رجال الدين الخاصة، فيما أوضحت السلطة القضائية أن تنفيذ الحكم لا يرتبط بصفته الحالية نائبًا في البرلمان، لأن الوقائع تعود إلى مرحلة سبقت انتخابه. لكن القضية تتجاوز في أبعادها الخلاف على مقال صحافي أو اتهام بالتلاعب بوثائق، إذ تعكس مواجهة سياسية أوسع داخل التيار المحافظ الإيراني. فرسائي، الذي يُعد من أبرز وجوه التيار المحافظ المتشدد، دخل خلال الأشهر الماضية في مواجهات متكررة مع قاليباف، واتهمه إلى جانب نواب آخرين بتجاوز صلاحياته داخل البرلمان وباتخاذ مواقف أكثر مرونة تجاه المفاوضات مع الولايات المتحدة. واتهم رسائي رئيس البرلمان بتقديم تنازلات مفرطة للأميركيين، وهاجم الاتفاق الأخير مع واشنطن، معتبرًا أنه يحول دون قيام طهران بالرد على اغتيال علي خامنئي، بل ذهب إلى القول إن الاتفاق قد يفتح الطريق أمام «انقلاب من دون إراقة دماء». وتصاعدت هذه المواجهة في وقت يدافع فيه قاليباف عن الجمع بين القتال والتفاوض، إذ قال في وقت سابق إن إيران يجب أن «تقاتل بعقلانية وقوة، وتتفاوض في الوقت المناسب بسلطة وعقل»، رافضًا في الوقت نفسه نهج الحرب المفتوحة بلا أفق ونهج الاستسلام للمطالب الأميركية. ولا يقتصر صدام رسائي على قاليباف، إذ يُعرف أيضًا بمعارضته الشديدة للرئيس مسعود بزشكيان وللتيارات الإصلاحية في إيران. وسبق أن هاجم بزشكيان بسبب المحادثات مع واشنطن، وشكك في أهليته السياسية، كما شبّهه في مرحلة سابقة بأبو الحسن بني صدر، أول رئيس للجمهورية الإسلامية، الذي عزله البرلمان من منصبه عام 1981. وتأتي قضية رسائي في لحظة تتعمق فيها الانقسامات داخل المعسكر المحافظ نفسه، بين جناح يدفع نحو مزيد من التصعيد العسكري والنووي ويرفض التفاهم مع واشنطن، وآخر يرى ضرورة إبقاء باب التفاوض مفتوحًا إلى جانب الضغط العسكري. وقد ظهرت هذه الخلافات بوضوح خلال الأسابيع الأخيرة داخل البرلمان وبين أجنحة التيار المحافظ. وهكذا، فإن دخول رسائي إلى سجن إيفين لا يبدو مجرد نهاية لمسار قضائي بدأ بمقال صحافي، بل يتحول إلى علامة على معركة نفوذ تتسع داخل قلب المؤسسة المحافظة الإيرانية، حيث بات الخلاف على العلاقة مع واشنطن وحدود التصعيد العسكري يتداخل مباشرة مع صراع السيطرة على البرلمان ومراكز القرار.