منذ وفاة والدة محمود خضر درويش قبل 23 عاماً، تولّت عفاف سعيد ديب رعاية شقيق زوجها، البالغ اليوم 53 عاماً، والمولود بإعاقة ذهنية جعلته بحاجة دائمة إلى المتابعة. وعلى امتداد أكثر من عقدين، تحولت المسؤولية العائلية إلى تفاصيل يومية تبدأ بالطعام والدواء والحفاضات، وتمتد إلى المستشفيات والعمليات والعلاجات التي لم تعد عفاف قادرة على تحمّل تكاليفها. وتكشف قصة محمود، المقيم في مخيم نهر البارد شمالي لبنان، جانباً من الأعباء التي تتحملها عائلات الأشخاص ذوي الإعاقة، في ظل احتياجات صحية لا تتوقف ومساعدات متقطعة، بالتزامن مع ضغوط مالية تحدّ من قدرة مؤسسات التأهيل على تقديم خدماتها بالكثافة المعتادة، رغم تأكيد وكالة "أونروا" استمرار برنامجها المخصص للأشخاص ذوي الإعاقة. وُلد محمود مع إعاقة، وبقي منذ طفولته بحاجة إلى رعاية ومتابعة مستمرتين. وتروي عفاف أن والدته اصطحبته في طفولته إلى الجامعة الأميركية في بيروت لتلقي العلاج، قبل أن تُبلّغ بأن حالته مرتبطة بإعاقة ذهنية. وتقول عفاف لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: "هو يتيم، توفيت والدته قبل 23 سنة، وبقي عندي. ربيته واهتممت به"، مضيفة: "منذ أن توفيت والدته، أصبح ابني." ومنذ ذلك الوقت، تؤمّن عفاف لمحمود ما تستطيع من الطعام والشراب والأدوية والحفاضات، وترافقه إلى المستشفيات، وتحاول تدبير احتياجاته اليومية ضمن إمكاناتها المحدودة. مرّ محمود خلال السنوات الماضية بمضاعفات صحية متلاحقة، كان أبرزها انفجار الزائدة الدودية، وفق عفاف، ما استدعى نقله إلى أحد مستشفيات زغرتا وإخضاعه لعملية جراحية. وتقول إن محمود أمضى نحو 40 يوماً في المستشفى، بينها شهر كامل في قسم العناية المركزة. وبعد خروجه، بقي يحتاج إلى الأوكسجين في المنزل مدة شهر، قبل أن تبدأ معاناته من مشكلات جديدة في عينيه. وتضيف عفاف: "بعدما خرج من العناية المركزة، ظهرت المياه الزرقاء في عينيه الاثنتين." وخضع محمود لعملية في إحدى عينيه، لكنها لم تنجح، بحسب عفاف، قبل أن يتبين وجود مشكلات في الشبكية. ومع مرور الوقت، تراجعت قدرته على الإبصار بشدة؛ فبات يرى في إحدى عينيه غباشاً وخيالاً، فيما فقد الرؤية في الأخرى بصورة شبه كاملة. وتضيف: "بقيت شهراً أضع له الأوكسجين في البيت. أنا أشتري له الحفاضات، وأعالجه، وأؤمّن له الدواء." أرملة تعيل مريضين ..لا مساعدات واحتياجات لا تتوقف وتقول عفاف إن تأمين العلاج لم يعد ممكناً بالنسبة إليها، فهي أرملة منذ سبع سنوات، وتعيل أيضاً ابنة تعاني مرضاً في الكبد، ما يجعل الاحتياجات الصحية لأسرتها تتجاوز قدرتها المالية. وتروي أنها أبلغت طبيب محمود بعجزها عن شراء قطرات العين أو تحمّل تكاليف العمليات، قائلة: "قلت للطبيب إنني لا أستطيع شراء القطرة له، فلا مال لدي. أشتري حفاضاته وطعامه وشرابه، وأفعل ما أقدر عليه، لكنني لا أستطيع إجراء عمليات له." ولمحمود ثلاثة إخوة في ألمانيا، إلا أن التواصل معهم منقطع، بحسب عفاف. وكان اثنان من إخوته من جهة والده يقدمان لها المساعدة أحياناً قبل وفاتهما. وفي غياب دخل ثابت يغطي احتياجات محمود، تعتمد عفاف على ما يقدمه أبناؤها، إلى جانب مساعدات محدودة من فاعلي الخير، وتقول: "لا أحد ينظر إلى حالنا إلا الله." راجعت عفاف جهات عدة طلباً للمساعدة، من بينها وكالة "أونروا"، لكنها تقول إنها لم تحصل على دعم منتظم، وإن بعض البرامج باتت تقتصر على فئات عمرية محددة. وحصل محمود مرة على حفاضات من جمعية التأهيل المجتمعي، لكن المساعدة لم تستمر، فيما ما تزال مسألة إصدار هوية خاصة به قيد المتابعة. وتشير عفاف إلى أنها كانت تحصل سابقاً على مساعدات غذائية، وتضطر أحياناً إلى بيع جزء منها لتأمين احتياجات أخرى، قبل أن تتوقف تلك المساعدات. ولا تقتصر الأعباء على علاج محمود؛ إذ بقي منزل عفاف نحو 14 شهراً من دون براد صالح للاستخدام، قبل أن تقدم لها إحدى السيدات براداً مستعملاً، بعدما نشرت ابنتها طلباً للمساعدة. ضعف تمويل والعائلات تتحمل أعباء نقص الخدمات تتزامن حالة محمود مع ضغوط مالية تواجه مؤسسات التأهيل التي تخدم اللاجئين الفلسطينيين من ذوي الإعاقة في لبنان، وتنعكس على قدرتها التشغيلية واستمرار بعض برامجها. ويقول مدير جمعية التأهيل المجتمعي في شمال لبنان، أحمد داود، إن الجمعية تقدم العلاج الفيزيائي والوظيفي، وعلاج النطق واللغة، والدعم النفسي والتربية المختصة، إلى جانب الأجهزة المساعدة والزيارات المنزلية وبرامج التدريب والتوعية والإدماج. ويوضح داود أن خدمات الجمعية لم تتوقف بالكامل، إلا أن ضعف الموارد المالية أدى إلى تراجع قدرتها على تقديمها بالكثافة والجودة المعتادتين. وبحسب داود، انعكس انخفاض الموارد على عدد أفراد الفريق وساعات العمل المتاحة، ما أدى إلى تقليل كثافة بعض الجلسات التخصصية مقارنة بالسابق، فيما توقفت