يطوي الوجود العسكري الأميركي في العراق صفحة امتدت لأكثر من عقدين، مع استعداد القوات الأميركية لاستكمال انسحابها من آخر قواعدها في البلاد بحلول الأربعاء، في خطوة تعيد رسم موازين النفوذ داخل العراق وتثير في الوقت نفسه مخاوف مزدوجة: توسّع هامش حركة إيران والفصائل الموالية لها، واحتمال استغلال تنظيم "داعش" أي فراغ أمني للعودة إلى النشاط. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن الانسحاب الأميركي ينهي فصلًا دام أكثر من 20 عامًا، قُتل خلاله نحو 4500 عسكري أميركي في العراق، فيما تنظر إيران وحلفاؤها إلى خروج القوات الأميركية باعتباره مكسبًا استراتيجيًا كبيرًا في بلد باتت لطهران فيه مساحة نفوذ واسعة. وأكدت وكالة "رويترز" أن القوات الأميركية تستعد لمغادرة قواعدها الأخيرة في العراق بحلول 30 أيلول 2026. وكان الانسحاب قد جرى الاتفاق عليه مبدئيًا عام 2024 في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، إلا أن تنفيذه النهائي يجري الآن في عهد الرئيس دونالد ترامب، وفي خضم الحرب المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، ما يمنح الخطوة أبعادًا أمنية وسياسية تتجاوز الساحة العراقية وحدها. ويرى خبراء أمن عراقيون أن انسحاب القوات الأميركية قد يوسّع هامش الحركة أمام طهران والفصائل المسلحة المرتبطة بها، بالتوازي مع مخاوف من أن يوفر المشهد الجديد مساحة لتنظيم "داعش" لإعادة ترتيب صفوفه. وقال المحلل الأمني العراقي جاسم البهادلي، المتخصص في دراسة الجماعات الشيعية المسلحة المرتبطة بإيران، إن "إيران يُتوقع أن تستفيد استراتيجيًا من مغادرة قوات التحالف، لأن ذلك يزيل وجودًا عسكريًا شكّل طوال سنوات طويلة ثقلًا موازنًا لنفوذ طهران في العراق". وأضاف أن الفصائل الموالية لإيران لن تكتفي بتقديم الانسحاب على أنه انتصار دعائي، بل ستسعى، وفق تقديره، إلى ترجمة الزخم الجديد إلى نفوذ أكبر في عملية اتخاذ القرارات السياسية والأمنية في بغداد. وفي هذا السياق، وصف أبو مجتبى الياسري، وهو قائد بارز في "المقاومة الإسلامية في العراق"، التي تضم عددًا من الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، الانسحاب الأميركي بأنه "انتصار تاريخي لمجموعات المقاومة الإسلامية العراقية وللعراقيين الشرفاء، وهزيمة ساحقة للمشروع الأميركي في المنطقة". وقال الياسري في مقابلة مع "رويترز": "في 30 أيلول سنحتفل بطي صفحة سوداء من تاريخ العراق وبفشل الاحتلال في فرض إرادته على بلدنا. لقد أثبت العراق أن سيادته لا يمكن أن تضمنها قوات أجنبية". ورغم أن خروج القوات الأميركية يحظى بتأييد واسع لدى شرائح كبيرة من العراقيين، فإن شخصيات تخشى تنامي قوة الفصائل المدعومة من إيران تعتبر أن توقيت الانسحاب قد يكون مبكرًا. وقال عبد الرحمن الزوبعي، وهو زعيم عشائري سني من مدينة الفلوجة التي كانت سابقًا من أبرز معاقل المقاومة المناهضة للوجود الأميركي، إن "العراق لا يزال، في اعتقادنا، غير مستعد بالكامل لتولي الملف الأمني بصورة كاملة في الوقت الراهن". وأضاف: "كل العراقيين يتطلعون إلى السيادة الكاملة، ولا خلاف على ذلك، لكن مغادرة التحالف بهذه الطريقة وخلق فراغ أمني هو ما يخشاه العراقيون فعلًا". ويعود الوجود العسكري الأميركي في العراق إلى عام 2003، عندما غزت القوات الأميركية البلاد لإسقاط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، قبل أن تنسحب في نهاية عام 2011. إلا أنها عادت بعد أقل من 3 سنوات للمساعدة في قتال تنظيم "داعش" ودعم القوات العراقية في المواجهة التي امتدت بين 2014 و2017. وخلال السنوات الأخيرة، شكّل العراق حالة إقليمية خاصة، إذ حافظ على علاقات سياسية وعسكرية وثيقة في آن واحد مع كل من واشنطن وطهران، فيما تحولت أراضيه مرارًا إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين الطرفين. وفي الحرب الحالية مع إيران، قُتل 7 من أصل 18 عسكريًا أميركيًا سقطوا في المواجهة على الأراضي العراقية، وهو ما يعكس استمرار العراق كساحة حساسة في الصراع الإقليمي بين واشنطن وطهران. وفي المقابل، تسارع إيران إلى تقديم الانسحاب باعتباره انتصارًا لما تسميه "محور المقاومة". وقال نائب رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني أمير حيات مقدم إن "الأمن المستدام سيسود في العراق بمجرد أن يغادر الأميركيون"، مؤكدًا أن طهران ترحب بانسحاب القوات الأميركية من العراق وتدعمه. لكن الخشية لا تقتصر على اتساع النفوذ الإيراني، إذ يحذر مسؤولون أمنيون عراقيون وأكراد من أن خروج القوات الأميركية قد يمنح دفعة جديدة لخلايا "داعش" النائمة، رغم مرور نحو عقد على انهيار ما أعلنه التنظيم "خلافة" له. وقال القائد الكردي سيروان بارزاني إن نشاطًا ملحوظًا لخلايا التنظيم رُصد منذ الإعلان عن انسحاب التحالف الدولي، معتبرًا أن التطورات الأخيرة رفعت معنويات عناصر "داعش". وأشار إلى أنه خلال أ