على وقع السجال الذي تجدد بين التيار الوطني الحر وحزب الله، عقب المقابلة الأخيرة لرئيس التيار النائب جبران باسيل والرد الحاد الذي صدر عن النائب السابق نواف الموسوي، عادت العلاقة بين الطرفين إلى دائرة الضوء، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت التصريحات الأخيرة تنذر بجولة جديدة من التصعيد السياسي، أم أنها ستبقى ضمن حدود الخلاف الذي نشأ بين الجانبين منذ انتهاء مرحلة التحالف السياسي. وفي مقابل حدة السجال التي ظهرت في بدايته، برزت في الأيام الأخيرة مؤشرات إلى محاولة احتواء ما حصل، ولا سيما مع المقالة الأخيرة التي كتبها باسيل، في حين اختار عدد من نواب حزب الله عدم الدخول في سجال إعلامي مباشر معه، في ما فُهم على أنه رغبة في تطويق الخلاف ومنع تمدده. وفي هذا السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن ما جرى لا يبدو مقدمة لقطيعة جديدة بين التيار الوطني الحر وحزب الله، معتبراً أن هناك رغبة مشتركة لدى الطرفين في ضبط الخلاف وعدم السماح له بالوصول إلى مرحلة الانفصال الكامل. وأشار بيرم إلى أن المشكلة بدأت مع الموقف الذي عبّر عنه باسيل في مقابلته الأخيرة، وما تلاه من رد مقتضب وحاد من النائب السابق نواف الموسوي، قبل أن يعود باسيل ويكتب مقالاً مطولاً تناول فيه موقفه من الحزب، معتبراً أن مضمون الخطابين يظهر، في الوقت نفسه، أن الطرفين لا يريدان تطوير الخلاف إلى مواجهة مفتوحة. وقال إن "هناك مصلحة مشتركة بين الطرفين في أن تبقى العلاقة قائمة"، موضحاً أن ذلك لا يعني العودة إلى التفاهم أو التحالف السياسي الذي كان قائماً بينهما، كما لا يعني استعادة المرحلة السابقة، وإنما الإبقاء على علاقة سياسية تمنع الوصول إلى القطيعة النهائية. ولفت بيرم إلى أن حزب الله، خلال السنوات الماضية، تعامل مع مواقف باسيل المنتقدة له ولأدائه السياسي، بما فيها المواقف المتعلقة بالمقاومة والجنوب وتداعيات الحرب، من دون أن يدفع باتجاه قطع العلاقة معه، معتبراً أن هذا السلوك يعكس حرصاً على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة. وفي المقابل، رأى أن باسيل، منذ بدء معارضته المتصاعدة للحكومة، يعمل على رفع مستوى حضوره السياسي في مواجهة خصومه، ومحاولة تقديم نفسه بوصفه في موقع رأس الحربة في المعارضة، في وجه القوى الاخرى لا سيما حزب القوات اللبنانية ، لكن بحدة أقل مع الآخرين ، مستفيداً من حالة العجز التي يصف بها أداء الحكومة والقوى السياسية. واعتبر أن باسيل، في هذا السياق، وجّه انتقاداته الأخيرة إلى حزب الله ضمن سياق أوسع من إعادة تموضعه السياسي، مشيراً إلى أن التيار أراد من خلال الرد التأكيد على أنه لا يزال متمسكاً بموقفه المعروف من الحزب، وأن الخلاف بينهما لا يعني التخلي عن كل قنوات التواصل. وأوضح بيرم أن رد التيار، وفق قراءته، حمل رسالة مفادها أن موقفه من حزب الله لم يتغير، وأنه يعترض على ما يعتبره أخطاء ارتكبها الحزب وأدت إلى جرّ البلاد إلى أزمات وحروب، لكنه في الوقت نفسه لا يريد تحويل هذا الاعتراض إلى معركة تهدف إلى قطع العلاقة نهائياً. وأضاف أن الطرفين، رغم الخلافات المتراكمة، أثبتا خلال الفترة الماضية أنهما قادران على ضبط مستوى الاشتباك السياسي بينهما، بحيث لا يتحول الخلاف إلى طلاق كامل، وفي المقابل لا تعود العلاقة إلى صيغة التحالف السياسي التي كانت قائمة في السابق. وأشار إلى أن اللقاءات والتواصل بين الطرفين، حتى في ظل الخلاف، تؤكد وجود رغبة في الحفاظ على حد أدنى من العلاقة السياسية، لافتاً إلى أن مشاركة التيار في مناسبات ولقاءات ذات طابع مشترك، ومنها مناسبة أقيمت برعاية أحد قيادات حزب الله، تشكل مؤشراً إلى أن قنوات التواصل لم تُغلق. وختم بيرم بأن العلاقة بين التيار الوطني الحر وحزب الله تبدو اليوم أقرب إلى علاقة سياسية طبيعية بين قوتين تختلفان في ملفات أساسية، لكنها لا تصل إلى مستوى القطيعة أو العداء، معتبراً أن "مصلحة الطرفين تقتضي إبقاء هذه العلاقة ضمن حدود معينة"، من دون العودة إلى صيغة التفاهم والتحالف التي طبعت المرحلة السابقة.