السيّد... أربعة عقود في قلب التحوّلات: القسم السادس | حين تجاوزت الجغرافيا حدود لبنان بعد تموز، لم يعد اسم السيد حسن نصرالله مرتبطاً بالجنوب اللبناني وحده. كانت حرب 2006 قد جعلت صورته مرتبطة بمواجهة واسعة مع جيش الكيان الإسرائيلي، لكن السنوات التي تلتها حملت شيئاً مختلفاً تماماً. فالمنطقة نفسها كانت تتغير. العراق يعيش تداعيات الحرب والاحتلال. فلسطين المحتلة تدخل جولات جديدة من الصراع. الولايات المتحدة وإيران تتواجهان على امتداد ساحات متعددة. ثم جاءت أحداث عام 2011، لتفتح واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ المنطقة الحديث. وهنا، وجد السيد نفسه أمام سؤال لم يعد لبنانياً فقط: ماذا تفعل حين تنتقل الحرب من حدود بلدك إلى جوار بلدك، ثم يصبح هذا الجوار جزءاً من معادلة أمنك؟ لم يكن هذا التحول بالنسبة لحزب الله والسيد حسن نصرالله خروجاً من قضية المقاومة، بل توسعاً في ساحتها. إذ بدأ خطر داعش يلف المنطقة، خاصة لبنان والحدود السورية، وشهد لبنان ومنطقة الجرود في الهرمل اخطر المعارك مع داعش، فكان لا بد لحزب الله أن يحمي الوطن مرة ثانية من عدو جديد يهدد ويتوعد وينفذ. وهنا لم يعد السيد قائداً لبنانياً يُقرأ تأثيره داخل لبنان فقط. بعد حرب 2006، بقيت الحدود اللبنانية ــ الإسرائيلية أكثر هدوءاً نسبياً لسنوات، بينما كانت المنطقة من حول لبنان تدخل في مرحلة جديدة. في لبنان نفسه، ازدادت الانقسامات السياسية. وفي الإقليم، كانت التحولات تتسارع. ثم جاء ما سُمّي بـ "الربيع العربي" وتحركات في المنطقة العربية، فسقطت أنظمة، وانهارت أخرى، وتحوّلت تحركات في بعض الدول إلى حروب مفتوحة. وكانت سوريا في قلب هذا التحول. هناك، لم يعد الأمر مجرد أزمة سياسية داخل دولة مجاورة، إذ سرعان ما تحولت سوريا إلى ساحة تتقاطع فيها قوى إقليمية ودولية، وتداخلت فيها جيوش وتنظيمات وفصائل ودول، وكان على حزب الله أن يقرر حماية لبنان ودعم سوريا. سوريا... حين أصبحت حماية لبنان تبدأ من خارج حدوده مع اندلاع الحرب في سوريا، لم يتعامل حزب الله مع المشهد باعتباره حرباً بعيدة عن لبنان أو أزمة يمكن انتظار نتائجها من خلف الحدود. كانت الخريطة السورية تتقاطع مباشرة مع أمن لبنان، وكانت الجماعات المسلحة التي تمددت في سوريا تقترب تدريجياً من الحدود اللبنانية ومن مناطق لبنانية واسعة. من هنا جاء القرار. دخل حزب الله إلى سوريا انطلاقاً من تقديرٍ واضح: إذا تُركت الجماعات المسلحة لتتمدد، فإن نار الحرب لن تبقى داخل الأراضي السورية، بل ستصل إلى لبنان. وكانت الحدود الشرقية للبنان ومناطق البقاع أمام احتمال تحوّلها إلى ممر مفتوح أمام التنظيمات المسلحة، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر للقرى والسكان وللاستقرار اللبناني. لذلك، لم يكن القرار بالنسبة إلى السيد حسن نصرالله انتقالاً من جبهة إلى أخرى بقدر ما كان توسيعاً لدائرة الدفاع عن لبنان؛ فالمعركة، في حساباته، لم تعد تُقاس بمكان سقوط القذيفة أو موقع الاشتباك، بل بمكان تشكّل الخطر ومنع وصوله إلى الداخل اللبناني. ولهذا تحوّلت سوريا إلى جبهة أساسية في استراتيجية الحزب، ومن القصير إلى مناطق أخرى، خاض رجال المقاومة معارك كانت جزءاً من معركة حماية لبنان، وخصوصاً بعدما باتت الحدود السورية ـ اللبنانية نفسها ساحة مفتوحة أمام الجماعات المسلحة. لم يعد الجنوب اللبناني وحده خط الدفاع، أصبحت الحدود الشرقية للبنان جزءاً من المعركة أيضاً. لكن سوريا لم تكن ساحة سهلة؛ كانت حرباً مفتوحة، معقدة، متعددة الجبهات، تتبدل فيها خطوط المواجهة من منطقة إلى أخرى، وتفرض على مجاهدي المقاومة أن يخوضوا نمطاً مختلفاً تماماً عن ذلك الذي عرفوه في الجنوب اللبناني. ففي الجنوب، كانت الجغرافيا معروفة، والميدان محدد المعالم، والخبرة القتالية تراكمت على مدى عقود، أما في سوريا، فكانت المواجهة أوسع بكثير: مدن وبلدات وطرق صحراوية وحدود مفتوحة وجماعات مسلحة متعددة ومعارك لا تستقر على شكل واحد. وكان على مجاهدي المقاومة أن يواجهوا خطراً لم يعد ثابتاً على الحدود، بل يتحرك ويتمدد ويقترب من لبنان. كانت المعركة تبدأ هناك حتى لا تصل إلى هنا. ومن هنا، لم يعد المطلوب فقط مواجهة قوة عسكرية على جبهة محددة، بل مواجهة خطر متحرك يمكن أن يحوّل سوريا إلى بوابة مفتوحة نحو لبنان. لم يتعامل السيد حسن نصرالله مع اتساع رقعة المعركة باعتباره خروجاً عن مسار المقاومة، بل باعتباره امتداداً لمعركة حماية لبنان والمقاومة في مرحلة تغيّرت فيها طبيعة التهديد. كان الجنوب قد علّم المقاومة كيف تواجه جيشاً على أرض محتلة، أما سوريا ففتحت أمامها مواجهة من نوع آخر: حرباً مفتوحة يجب خوضها قبل أن تصل نيرانها إلى الحدود اللبنانية. وهنا لم تكن المسألة مجرد اتساع في الجغرافيا، بل لحظة انتقال في طبيعة المعركة نفسها: من الدفاع عن الحدود،