يدور الخلاف حول مستقبل الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان مع اقتراب انتهاء التفويض الأممي، في ظل مخاوف لبنانية من أن يؤدي أي فراغ أمني إلى تكريس الوجود العسكري الإسرائيلي وتحويله إلى واقع طويل الأمد. وفي مقابل مساعٍ إسرائيلية لفرض قوة دولية بقيادة أميركية بصلاحيات موسعة، بما في ذلك الضغط لنزع سلاح حزب الله، تتمسك بيروت باستمرار الدور الأممي أو البحث عن صيغة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية تركز على دعم الجيش اللبناني، بعيداً عن تحويل الجنوب إلى ساحة مواجهة جديدة. ولا يتعلق الخلاف بهوية القوة البديلة فحسب، بل بطبيعة مهمتها وحدود صلاحياتها، خصوصاً أن أي تفويض يسمح بالتفتيش القسري ومصادرة السلاح قد يفتح الباب أمام احتكاكات خطيرة داخل لبنان، في وقت يستمر فيه الاحتلال الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب. رحيل «القبعات الزرقاء» ومستقبل الجنوب ترى بيروت أن استمرار «اليونيفيل» يشكل عاملاً مهماً في الحفاظ على الاستقرار، ولا سيما في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في عدد من قرى جنوب الليطاني. ولذلك تبحث الحكومة في تمديد المهمة أو اعتماد صيغة أوروبية بديلة تضمن استمرار الدعم الأمني والإنساني للقرى الجنوبية. وتبرز أهمية هذا الدور في مساعدة السكان على الصمود والبقاء في مناطقهم، في ظل القيود التي يفرضها الوجود الإسرائيلي على الحركة والوصول إلى بعض المناطق. ويثير انسحاب القوات الأممية مخاوف من زيادة الضغوط على الأهالي وترك بعض التجمعات الجنوبية أمام واقع أمني أكثر هشاشة. في المقابل، تدفع إسرائيل باتجاه إنهاء مهمة «اليونيفيل»، متهمة إياها بعدم منع حزب الله من تعزيز قدراته العسكرية، فيما تسعى إلى إيجاد قوة بديلة تتمتع بصلاحيات أوسع، بما يسمح لها بالتعامل مباشرة مع سلاح الحزب. ويأتي ذلك في وقت يستمر فيه الوجود العسكري الإسرائيلي في نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، رغم اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ما يجعل مسألة الانسحاب الإسرائيلي أحد أبرز الملفات المرتبطة بأي ترتيبات أمنية جديدة. القرار 1701.. بين حماية الجنوب ومحاولات فرض معادلة جديدة يشكل القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عقب حرب عام 2006 أساساً للترتيبات الأمنية في جنوب لبنان. إلا أن الخلاف يتمحور حول تفسير حدود هذا القرار وطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه القوات الدولية. ففي حين تطالب إسرائيل بتوسيع صلاحيات القوة الدولية لتشمل عمليات تفتيش ومصادرة للأسلحة، تؤكد «اليونيفيل» أن تفويضها لا يمنحها صلاحية نزع سلاح حزب الله بالقوة. ويكشف هذا التباين عن اختلاف جوهري بين المهمة الأممية وبين المطالب الإسرائيلية الرامية إلى فرض ترتيبات أمنية أكثر تشدداً على الجنوب. وتواجه الطروحات الإسرائيلية كذلك عقبات مرتبطة بموقف واشنطن من نشر قوات برية في لبنان، في مقابل استعداد دول أوروبية للمشاركة ضمن صيغة تستند إلى تفويض أممي. وفي حال تعذر التوصل إلى ذلك، قد تظهر محاولات لتشكيل تحالف متعدد الجنسيات خارج الإطار الأممي. وفي هذا السياق، تواصل إيطاليا دعم الجيش اللبناني عبر برامج فنية وعسكرية، فيما أبدت دول أوروبية استعدادها للمساهمة في قوة بديلة، لكن الخلاف يبقى قائماً حول صلاحياتها، خصوصاً بين المطالب الإسرائيلية بالتفتيش ومصادرة السلاح وبين الطرح الأوروبي الذي يركز على دعم مؤسسات الدولة وتجنب مواجهة مباشرة مع المكونات اللبنانية. ثلاثة تصورات لمستقبل القوة الدولية طرحت الأمم المتحدة عدة تصورات لقوة بديلة يتراوح قوامها بين ألفين وخمسة آلاف جندي، مع اعتماد وسائل مراقبة متقدمة تشمل الرادارات والمروحيات والأقمار الصناعية. وتختلف السيناريوهات المطروحة في مستوى التعاون مع الجيش اللبناني ونطاق الانتشار جنوب الليطاني وشماله، لكن العامل الأكثر حساسية يبقى حدود الصلاحيات الممنوحة لهذه القوة، وما إذا كانت ستقتصر على المراقبة ودعم الاستقرار أم تتحول إلى طرف مباشر في ملف سلاح المقاومة. ويشكل هذا الملف جوهر التعقيد، إذ إن فرض نزع سلاح حزب الله بالقوة لا يمكن فصله عن الواقع السياسي والاجتماعي والأمني في لبنان، كما أن أي عمليات تفتيش ومصادرة قسرية قد تؤدي إلى مواجهات داخلية وتفاقم الانقسامات، فضلاً عن الضغط على الجيش اللبناني نفسه. وفي المقابل، يركز الاتحاد الأوروبي على تعزيز قدرات الجيش اللبناني عبر التدريب والمعدات، وتمكين مؤسسات الدولة من أداء دورها، بدلاً من الدفع نحو مواجهة عسكرية مباشرة مع حزب الله. وتخشى بيروت من أن يؤدي منح أي قوة خارجية صلاحيات قتالية واسعة إلى فتح باب صراع داخلي، في حين أن استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية يبقيان من أبرز العوامل التي تعزز تمسك شريحة واسعة من اللبنانيين بسلاح المقاومة باعتباره جزءاً من معادلة الردع في مواجهة إسرائيل. ومن هنا، فإن معالجة الملف