ربما يصل دخل بعض المؤثرين في لبنان إلى آلاف الدولارات شهرياً، في سوق رقمية باتت بالنسبة إلى البعض امتداداً لمهنهم الأساسية، وبالنسبة إلى آخرين مصدراً مستقلاً للدخل، في بلد تقلصت فيه فرص العمل التقليدية خلال سنوات الأزمة الاقتصادية والحروب المتتالية. وقدّر المصور وصانع المحتوى عباس حسين، الذي يتابعه نحو ربع مليون شخص في منصات التواصل، أن دخل المؤثرين في لبنان والعالم العربي ربما يبدأ من نحو ألفي دولار شهرياً ويصل في بعض الحالات إلى 20 ألف دولار، مع تأكيده أن هذه الأرقام تقريبية وتتفاوت بصورة كبيرة تبعاً لعدد المتابعين والعقود التجارية ونوع التعاون مع الشركات. وقال حسين لـ"المدن" أن صناعة المحتوى لم تبدأ بالنسبة إليه بوصفها بديلاً عن مهنته، بل تطورت بالتوازي مع عمله مصوراً فوتوغرافياً. وأضاف: "أصبحت صناعة المحتوى جزءاً من مهنتي لأنني أعمل مصوراً فوتوغرافياً ولدي متابعون في السوشال ميديا وصل عددهم إلى نحو ربع مليون. كان هدفي أن أبني اسماً وعملاً، وبالطبع الدخل المادي جزء من أي مهنة". ومع اتساع حضور منصات التواصل في التسويق والعمل، رأى حسين أن الفصل بين نشاطه الرقمي ومهنته الأساسية أصبح أكثر صعوبة، واصفاً الأمر بأنه "مهنتان في مهنة واحدة". ولا يقدم حسين رقماً ثابتاً لدخله الشخصي من نشاطه في المنصات، موضحاً أن العمل يتوزع بين التصوير والتحضير وإدارة حسابات التواصل والمونتاج والاجتماعات مع الزبائن، وربما يتطلب إعداد محتوى لـ"أنستغرام" وحده يوم عمل كاملاً. وأكمل حسين: "لا يمكنني أن أعطي رقماً غير موثوق، والأرقام متفاوتة بشكل كبير، وليس هناك رقم متوسط رسمي دقيق في لبنان. كل حالة تختلف حسب عدد المتابعين والعقود ونوع التعاون". وبالنسبة إليه، لا تقتصر المسألة على زيادة عدد المشاهدات والمتابعين، بقدر ما يحاول شخصياً أن ينشر محتوى مرتبطاً بشخصيته وعمله، ورأى أن المحافظة على حضوره المهني تعتمد على جودة المحتوى والاستمرارية أكثر من كثافة النشر. ورغم أن ارتفاع أعداد المتابعين يترك أثراً إيجابياً لديه، قال حسين أنه يحاول الفصل بين الأرقام وبين تقييمه لنفسه أو لعمله: "عدد المتابعين وارتفاع الأرقام أمر يفرحني ويزيد من ثقتي بنفسي، لكن الأمر لا يتوقف عند تحديد قيمتي الشخصية. المتابع ربما يزيد وينقص حسابياً، لكن تبقى هويتي المهنية هي الأساس". وأضاف حسين: "عالم السوشال ميديا دائماً بين صعود وهبوط، وأنا شخص لا يحب أن يجعل أرقام إنستغرام تؤثر في مزاجه العام"، مؤكداً أنه لم يسبق أن قدم محتوى لا يشبه شخصيته كما أن عمله يتبع أسلوباً يقوم على تقديم محتوى لائق لجمهور حقيقي يحترمه ويختار بقناعته أن يشاهده. ولهذا، لا ينصح حسين صانعي المحتوى الذين تحقق حساباتهم انتشاراً بالتخلي سريعاً عن وظائفهم أو مهنهم الأساسية لمجرد ارتفاع عدد المتابعين. ورأى أن الانتقال إلى صناعة المحتوى بوصفها مصدراً رئيسياً للدخل يحتاج إلى دخل مستقر وخطة واضحة وقاعدة من المتابعين يمكن الاعتماد عليها. ولا يعتمد دخل صناع المحتوى بالضرورة على المدفوعات المباشرة من المنصات نفسها. فالعائد من المشاهدات يختلف عن الأموال التي يحصل عليها المؤثر من الإعلانات والعقود والتعاون مع العلامات التجارية، وهي مصادر قد تشكل الجزء الأكبر من دخل الحسابات المعروفة. ويأتي توسع صناعة المحتوى في لبنان في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية وفرص العمل التقليدية خلال سنوات الأزمة والحروب، فيما أتاحت المنصات الرقمية لبعض المستخدمين الوصول إلى مصادر دخل بالعملة الأجنبية وأسواق إعلانية لا تقتصر بالضرورة على السوق اللبنانية. وتظهر بيانات تقرير "Digital 2026: Lebanon" الصادر عن "DataReportal"، استناداً إلى أدوات الإعلانات الخاصة بالمنصات، أن الوصول الإعلاني المحتمل لـ"تيك توك" شمل نحو 4.58 ملايين مستخدم بالغ في لبنان أواخر العام 2025، مقارنة بنحو 2.95 مليون مستخدم لـ"أنستغرام". ونبه التقرير إلى أن أرقام الوصول الإعلاني لا تعني بالضرورة عدد المستخدمين النشطين شهرياً أو الأفراد الفريدين. لكن انعكاس الأموال التي يجنيها المؤثرون في الاقتصاد اللبناني ككل، يبقى محدوداً، حسبما رأى الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة الذي اعتبر أن "تيك توك" هو المنصة الأولى في لبنان وربما في العالم. وقال عجاقة في حديث مع "المدن" أن الأموال التي يحصل عليها صناع المحتوى، تزيد بصورة أساسية الدخل الفردي للمؤثر، ولا يرى أن لها حتى الآن تأثيراً مباشراً وملحوظاً في الاقتصاد المحلي "لأن المجتمع اللبناني لم يعد مجتمعاً استهلاكياً بسبب الأزمات الاقتصادية وفرض الضرائب المرهقة، وكل ما يحصل عليه المؤثر يزيد في دخله الخاص بالعملة الأجنبية، لذلك فإن التأثير ضعيف في السوق المحلي". وتحقير مهنة صناعة المحتوى كحلم فردي بالاستقلالية من نظام العمل التقليدي، عبر وص