يضع المحامي ب. ز. على حسابه عبر تطبيق “واتساب” صورة تجمعه بمدعي عام التمييز. قد تكون الصورة، في أصلها، شخصية وعادية، لكن إبقاءها واجهة لحساب يستخدمه المحامي في تواصله اليومي لا يمكن فصله عن دلالتها المهنية، ولا سيما أمام الموكلين والمتقاضين والأشخاص الذين يتواصلون معه في ملفات قضائية. فعندما يضع محامٍ صورته مع رأس النيابة العامة التمييزية، لا يعود الأمر مجرد توثيق للقاء اجتماعي. الصورة توحي، سواء كان ذلك مقصوداً أم لا، بأن صاحب الحساب يملك وصولاً خاصاً إلى مدعي عام التمييز، وأن الطريق إليه مفتوح أمامه. وفي مهنة تقوم على الثقة واختيار الموكل لمحاميه، يصبح هذا الإيحاء أشد تأثيراً من أي إعلان تجاري مكتوب. وتزداد حساسية المسألة مع ظهور المحامي المذكور في محيط مكتب النائب العام التمييزي وتردده إليه. فالجمع بين هذا الحضور وبين وضع الصورة على حسابه قد ينقل الانطباع من حدود الصداقة الشخصية إلى الإيحاء بقرب خاص من المرجع القضائي الأعلى في النيابة العامة وبسهولة الوصول إليه. ولا يحتاج المحامي إلى أن يكتب تحت الصورة “أنا مفتاحكم لدى مدعي عام التمييز” حتى يصل المعنى. فالصورة تقول ذلك نيابة عنه، وتسوّق لعلاقة لا يجوز تحويلها إلى عنصر جذب للموكلين أو وسيلة للإيحاء بالنفوذ داخل قصر العدل. قانون تنظيم مهنة المحاماة واضح في هذا المجال. فالمادة 85 تحظر على المحامي السعي إلى اكتساب الموكلين بواسطة الدعاية أو الوسطاء أو غيرها من الوسائل، فيما تمنع المادة 86 الإعلان عن المكتب. كما يلزم نظام آداب المهنة المحامي بالامتناع عن استخدام أي وسيلة دعائية لنفسه، ويشترط أن يتسم حضوره الإلكتروني بالاتزان والرصانة وألا يتحول إلى وسيلة لاستجلاب الموكلين. المشكلة إذاً ليست في التقاط الصورة، بل في استخدامها والاستمرار في عرضها ضمن مساحة مهنية وشبه علنية، بطريقة تسمح بتسويق القرب من مدعي عام التمييز. فالمحامي يستطيع الاحتفاظ بعلاقاته وصداقاته الشخصية، لكنه لا يملك حق عرضها كجزء من صورته المهنية أمام الموكلين والمتقاضين. وهنا تبدأ مسؤولية نقابة المحامين. فهل اطلعت على الصورة؟ وهل تعتبر استخدامها منسجماً مع واجب التحفظ وكرامة المهنة وحظر الدعاية واستجلاب الموكلين؟ وإذا كان النظام النقابي يمنع إعلاناً عادياً عن مكتب محاماة، فكيف يمكن النقابة أن تسكت عن صورة توحي بأن صاحبها يتمتع بعلاقة خاصة مع أعلى مرجع في النيابة العامة؟ أما مدعي عام التمييز، فلا يُطلب منه منع الناس من التقاط الصور معه، لكن موقعه يفرض عليه حماية صورة النيابة العامة من أي استثمار شخصي أو مهني. وعندما تُستخدم صورته بما يوحي بقرب خاص أو بقدرة على الوصول إليه، يصبح الصمت مشكلة بحد ذاته، ويكون المطلوب موقفاً واضحاً ينفي وجود أي امتياز ويوقف استخدام العلاقة في التسويق للنفوذ. هذه ليست مسألة شخصية ولا خلافاً مع محامٍ، بل قضية تمس صورة القضاء وتكافؤ الفرص بين المحامين وثقة الناس بالعدالة. فلا يجوز أن يشعر المتقاضي بأن اختيار المحامي يجب أن يقوم على صورته مع القاضي أو المدعي العام، بدلاً من كفاءته وخبرته واحترامه للقانون. مدعي عام التمييز ليس واجهة دعائية لمكتب محاماة، ومكتبه ليس مكاناً لبناء النفوذ وتسويقه، ونقابة المحامين ليست متفرجاً على ممارسات تمس كرامة المهنة. والسؤال موجّه إلى المرجعين معاً: متى تتحرك النقابة، وهل يقبل مدعي عام التمييز أن تُستخدم صورته للإيحاء بأن أحدهم يملك مفتاح الوصول إليه؟