لم تكن جويس مطران تعرف شيئاً عن الحياة خارج أسوار دار الأيتام التي نشأت فيها منذ أن فتحت عينيها على الحياة. يوميات بسيطة ومسؤوليات كبيرة، بقيت محصورة داخل تلك الجدران، إلى أن قررت الخروج بحثاً عن حياة جديدة، أكثر عدالة وفرحاً. لم تكن تعرف شيئاً عن الأوراق الثبوتية أو الهوية. كانت تظن أنها، مثل سائر الأطفال، إلى أن جاء السؤال الذي قلب حياتها: "وين هويتك؟". كان السؤال على لسان مدير المدرسة، لكن وقعه كان أكبر من مجرد استفسار عن ورقة. "معقول حدا ما عندو هوية في الحياة؟"، سألها، لتكتشف جويس للمرة الأولى أن هناك من يعيشون خارج السجلات، وأنها واحدة منهم. وُلِدت جويس من أم لبنانية كانت مسجونة وتوفيت لاحقاً، وأب مجهول. ومع غياب التسجيل، وجدت نفسها منذ طفولتها أمام واقع لم تختره، فهي موجودة في الحياة، لكن من دون أوراق ثبوتية تثبت هذا الوجود. "حلمي مرتبط بهوية. لا يمكنني أن أحلم بشيء قبل الحصول على هوية"، تقول جويس لـ"النهار". الدراسة، العمل، المعاملات، وحتى التخطيط للمستقبل، كلها اصطدمت بحقيقة واحدة "امتلاك هوية". 21 عاماً وجويس محرومة من هويتها وأوارقها الثبوتية وكأنها كائن يعيش من دون شيء ملموس يثبت حقها في الحياة. جويس (مطران) تتحدث عن حياتها وحلمها في الحصول على هوية (تصوير: جايسن صفير- النهار) انتهت رحلة "اللانا" بعد أن وجدت جويس عائلة احتضنتها وأحبتها وقررت أن تتبناها وتمنحها اسم عائلة. هذا الحلم الذي طال انتظاره بدأ يتحقق ببطء نتيجة المسار الطويل الذي تستغرقه قضية الاستحصال على الهوية في لبنان. منذ ثلاث سنوات، تخوض جويس مساراً قضائياً للحصول على هويتها. الوصول إلى النهاية ليس سريعاً كما كانت تظن. دفعت نحو 10 آلاف دولار تقريباً لمتابعة الدعوى، واجتازت، كما تقول، نصف الطريق. تؤكد أن "المسار طويل ويحتاج إلى دعم ومتابعة من الجهات المعنية. لقد اقتربت من تحقيق حلمي في الحصول على هويتي ولكن هناك آلاف الأطفال المحرومين اليوم من تحقيق أي حلم لأنهم ببساطة من دون هوية". بالنسبة إلى جويس لن تكون الهوية مجرد بطاقة، بل بداية شيء لم تتمكن من امتلاكه طوال حياتها: القدرة على الحلم. تعترف "لن يكون مجرد شعور، وإنما حلم. سأتمكن من الحلم لأول مرة والبدء بتحقيق طموحاتي، لأنه حتى الساعة أنا غير قادرة على الحلم". من إجراء بسيط إلى قضية أمام القضاء قصة جويس ليست، في نظر أليس كيروز سليمان، رئيسة اللجنة الوطنية لمعالجة أوضاع الأطفال اللبنانيين مكتومي القيد، ملفاً فردياً معزولاً. فمنذ نحو 13 عاماً، تعمل اللجنة على متابعة حالات أشخاص "موجودين في الواقع، لكن لا وجود لهم قانونياً" في سجلات الدولة. غير أن أول ما يصطدم به أي بحث في هذا الملف هو غياب الرقم. لا تملك الدولة اللبنانية، حتى اليوم، إحصاءً وطنياً شاملاً يحسم عدد مكتومي القيد في لبنان. وهنا يأتي السؤال الأهم كيف يمكن للدولة أن تضع حلاً لمشكلة لا تعرف حتى عدد المتضررين منها؟ فالحالات تظهر في الشمال والقرى النائية كما في بيروت، فيما تتعدد أسبابها بين عدم تسجيل الولادات، والجهل بالإجراءات، والفقر، وبُعد مراكز الإدارات، وتفكك الأسر وعدم تسجيل الزواج. ولهذا بدأت اللجنة العمل مع لجنة الإحصاء الوطنية في محاولة للوصول إلى أرقام أكثر دقة، بالتوازي مع السعي إلى إشراك نقابات الأطباء والمحامين والقابلات والمستشفيات الخاصة في معالجة المشكلة، باعتبار أن رحلة الطفل نحو الاعتراف القانوني تبدأ عملياً من لحظة ولادته والوثيقة التي تثبتها. تشير سليمان إلى أن عدم تسجيل الولادة هو من أكثر الأسباب شيوعاً، رغم أن التسجيل يفترض أن يتم فور الولادة. فخلال السنة الأولى، يمكن إنجاز التسجيل إدارياً، لكن بعد تجاوزها يدخل الطفل في مسار قضائي يحتاج إلى دعوى، ما يحوّل ما كان يفترض أن يكون إجراءً بسيطاً إلى رحلة أطول وأكثر تعقيداً. لذلك تركز اللجنة على التوعية وحث الأهل على عدم تأخير تسجيل الولادات أو الزواج، وأعدّت نماذج لاجراءات الدعاوى ومراحلها لمساعدة العائلات على الوصول إلى العدالة. في الحالات التي يكون فيها الأب لبنانياً، يمكن معالجة وضع الطفل قضائياً إذا توافرت شروط أساسية، أبرزها إثبات لبنانية الأب ووجود وثيقة زواج ووثيقة ولادة والمستندات المطلوبة. عندها يخضع الملف للتحقيق أمام قاضي المنفرد المدني الناظر في قضايا الأحوال الشخصية، الذي يقرر قبول الطلب أو رفضه وفق المعطيات والشروط القانونية. وقد ساعدت اللجنة حتى الآن ثلاث حالات على الوصول إلى الهوية، رغم أن الملفات استغرقت وقتاً وجهداً كبيرين. في المقابل، لا تملك اللجنة إحصاء شاملاً لعدد الدعاوى التي قُدّمت خلال السنوات الثلاث أو الخمس الأخيرة، أو لعدد الأشخاص الذين تمكنوا من الحصول على الهوية نتيجة هذه الدعاوى. لكن التعقيدات تزداد في الحالات التي يكون فيها الأب