في شرق أوسط أنهكته عقود من النزاعات، لا تقتصر آثار الحروب على الخسائر البشرية والدمار المادي، بل تمتد إلى التربة والمياه الجوفية والنظم البيئية بين النفط المحترق، والذخائر غير المنفجرة، والمعادن الثقيلة، التي تحمل آثارا تستمر لعقود بعد انتهاء العمليات العسكرية. ووفقا لدراسة حديثة نشرها معهد أبحاث السلام في أوسلو (PRIO)، بلغ الشرق الأوسط في عام 2025 أعلى مستوى له من النزاعات المسلحة، وحوّل استمرار النزاعات هذه الأراضي تدريجيا إلى بؤر للهشاشة البيئية. وعندما تؤدي الأفعال البشرية إلى إلحاق أضرار جسيمة وواسعة النطاق وطويلة الأمد بالبيئة، تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من فترة المواجهات العسكرية. وسواء كانت آثارا مباشرة أو خفية وتدريجية، ينظر إلى هذه الأضرار بوصفها شكلا من أشكال "الإبادة البيئية" (Ecocide). وهذا ما يصفه أيضا الباحث روب نيكسون بمفهوم "العنف البطيء"، أي ذلك العنف الذي يحدث تدريجيا وبعيدا عن الأنظار، وتتراكم آثاره بمرور الزمن، بحيث يصعب رصده أو ربطه مباشرة بلحظة العنف الأصلية. وقد شكلت حرب فيتنام واستخدام الولايات المتحدة لمبيدات كيميائية لإزالة الغطاء النباتي، وعلى رأسها العامل البرتقالي (Agent Orange) خلال الفترة 1964-1975، نقطة تحول رئيسية في الوعي العالمي، إذ أسهما في زيادة الإدراك بحجم الكارثة البيئية والصحية التي كانت تتكشف آثارها خلال الحرب وما بعدها، وإلى قدرة العمليات العسكرية على إحداث أضرار بيئية طويلة الأمد تمتد آثارها إلى السكان والنظم البيئية لأجيال. في غزة، "إبادة المستقبل هي ديناميكية الإبادة البيئية" التي لا تدمر الحاضر فحسب، بل تدمر الشروط التي تسمح لمجتمع ما بالتطلع إلى المستقبل وبناء تصورات له في كل المجالات في هذا السياق، يخلف قصف العدوان الإسرائيلي الواسع النطاق والحصار المفروض على قطاع غزة آثارا عميقة على مجمل النظام البيئي في القطاع. وتوثق أبحاث منظمة "فورينزيك آركيتكتشر" تجريفا ممنهجا للشريط الشرقي للقطاع منذ عام 2014، وبحلول مطلع عام 2024، كانت نحو 40% من الأراضي المستخدمة للإنتاج الغذائي قد دمرت بالفعل. وتستخدم الباحثة الأنثروبولوجية ستيفاني لات-عبدالله مصطلح "futuricide" (اغتيال المستقبل) لوصف هذا الواقع: فتدمير الأرض هو تدمير لمستقبل من يعيشون عليها. وتظهر صور الأقمار الصناعية كيف تقوم السلطات الإسرائيلية بتقليص مساحة الأراضي المتاحة في قطاع غزة، علما أن تدمير الأراضي الزراعية يؤدي إلى زيادة الضغط على مساحة جغرافية محدودة أصلا وملوثة في كثير من المناطق، فيقوض إمكانية الحفاظ على مقومات الحياة فيها مستقبلا. وإلى جانب تدمير الأراضي الزراعية، تبرز أيضا أزمة النفايات، فبسبب تراكمها -إذ يتم إنتاج نحو 2000 طن من النفايات يوميا- يتحول قطاع غزة إلى ما يشبه قنبلة صحية موقوتة في الهواء الطلق. وأدى تدمير البنية التحتية لجمع النفايات ومعالجتها إلى تراكم كميات كبيرة من المخلفات الصلبة في مناطق مختلفة من القطاع. وينطوي هذا الوضع على مخاطر كبيرة على الصحة العامة والبيئة، من بينها تلوث التربة والمياه، وانتشار الحشرات والقوارض، وانبعاثات ناتجة عن تحلل النفايات أو حرقها، فضلا عن تعرض السكان لمواد خطرة. مما يشكل تهديدا مباشرا لصحة أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة على المدى القصير والمتوسط والطويل. "إبادة المستقبل هي ديناميكية الإبادة البيئية" التي لا تدمر الحاضر فحسب، بل تدمر الشروط التي تسمح لمجتمع ما بالتطلع إلى المستقبل وبناء تصورات له في كل المجالات. وعندما يتوقف حصار غزة، سيكون من الضروري "إزالة سمية الأراضي"، أي إزالة جميع القنابل والذخائر، والتعامل مع نحو 330 ألف طن من النفايات الصلبة المنزلية، إضافة إلى نحو 50 مليون طن من الأنقاض ومخلفات المباني… إلخ. في لبنان، على الرغم من أن البيانات المتاحة حاليا لا تسمح بتحديد كمية الأسبستوس (الأميانت) الموجودة داخل هذه الأنقاض بدقة، فإن احتمال وجوده يثير مخاوف بيئية وصحية كبيرة، ولا سيما أثناء عمليات إزالة الأنقاض ونقلها ومعالجتها أدت الضربات الإسرائيلية على لبنان إلى توليد كميات هائلة من الأنقاض، ولا سيما في المناطق الجنوبية الأكثر تضررا. ووفقا لتقديرات برنامج الأمم المتحدة (UN-Habitat)، تراكمت في محافظتي الجنوب والنبطية أكثر من 8 ملايين طن من الأنقاض، في حين تشير تقديرات أخرى صادرة عن الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB) إلى أن الكمية قد تصل إلى نحو 100 مليون طن. وعلى الرغم من أن البيانات المتاحة حاليا لا تسمح بتحديد كمية الأسبستوس (الأميانت) الموجودة داخل هذه الأنقاض بدقة، فإن احتمال وجوده يثير مخاوف بيئية وصحية كبيرة، ولا سيما أثناء عمليات إزالة الأنقاض ونقلها ومعالجتها. كما أدت الحرائق المتعمدة من العدوان الإسرائيلي واستخدام الذخائر المحتوية عل