تتحضر النقابات العمالية في لبنان لخوض مواجهة جديدة مع السلطة، على خلفية غلاء الفاحش في الأسعار في لبنان. هذا التحرك لا يأتي من فراغ ، فبحسب أرقام دائرة الاحصاء المركزي التابع للحكومة اللبنانية، بلغ التضخم السنوي في لبنان في شهر آب الماضي١٦٫٦٦ بالمئة، وبحسب الخبراء جزء من المشكلة لم يعد مجرد ارتفاع في الكلفة، بل في السوق نفسها أي إحتكار، وشبه احتكار الذي يسمح بتمرير الزيادة الى المستهلك. ووفق دلراسة صادرة عن الإسكوا، نحو ٥٢ بالمئة من الاسواق اللبنانية كانت فيها نسبة تركيز أكبر خمس مؤسسات تبلغ ٦٠ بالمئة أو أكثر، وهذه الأسواق تمثل نحو ٣٦ بالمئة من قيمة المبيعات في العينة التي درستها الاسكوا. يشرح الخبير الاقتصادي الدكتور وليد أبو سليمان ل"ليبانون ديبايت" أن ،"السوق التي تتمتع فيها قطاعات بهذا المستوى من التركيز( أي تحكم مجموعة صغيرة من الشركات في السوق)، يتحول شبه الإحتكار الى عامل تضخمي بحد ذاته. التركيز لا يعني تلقائيا وجود تواطؤ، لكن الإحتكار أو شبه الإحتكار، وضعف المنافسة وحواجز الدخول المرتفعة، تمنح اللاعب المسيطر قدرة أكبر على تمرير إرتفاع الكلفة والحفاظ على السعر عندما تنخفض الكلفة". في مقارنة بسيطة بين لبنان والدول الأخرى، بلغ معدل التضخم في الولايات المتحدة الأميركية 3.4 بالمئة و٣٫٢ بالمئة في الاتحاد الأوروبي، و٣٫١ بالمئة في بريطانيا، و٣ بالمئة في كندا، و٣،٥ بالمئة في استراليا، أي إن وتيرة ارتفاع الأسعار في لبنان بلغت نحو خمسة أضعاف وتيرتها في هذه الاقتصادات. يرى أبو سليمان أن "هذه الارقام تجعل التضخم اللبناني في ٢٠٢٦ يحتاج الى قراءة مختلفة، بمعنى أن المستهلك يتحمل إرتفاع الاسعار، بينما لا توجد بالضرورة ضغوط تنافسية كافية لإجبار كل حلقات السوق على إمتصاص جزء من الصدمة في هوامشها. بل إن إرتفاع الايرادات الاسمية يمكن ان يستمر حتى مع تراجع القوة الشرائية الحقيقية، لأن السعر الاعلى يعوض جزءا من انخفاض الكميات". يضيف:"المشكلة ليست في أن كل شركة تحقق هامشا مرتفعا، ولا في ان كل زيادة سعرية هي إستغلال. المشكلة في ان السوق المركزة تسمح بتحويل جزء اكبر من الصدمة الى المستهلك بدل توزيعها بين المستهلك والمنتج والموزع والتاجر"، مشددا على أن "قراءة ١٦٫٦٦ بالمئة كـتضخم كلفة فقط هي قراءة ناقصة. الرقم يعكس إرتفاع الاسعار، لكنه لا يكشف كيف توزعت هذه الزيادة بين الكلفة والهامش". ويوضح أنه "في اقتصاد طبيعي، إنخفاض الكلفة يضغط على الاسعار عبر المنافسة. أما عندما تكون المنافسة ضعيفة أو يكون السوق محكوما بالإحتكار أو شبه الإحتكار، فإن إنتقال الزيادة الى الأسعار يكون أسرع من إنتقال إنخفاض الكلفة الى الأسعار"، جازما بأنه "هنا تحديدا تتآكل القدرة الشرائية فالمستهلك يدفع الزيادة كاملة، بينما لا يوجد ما يضمن أن يتحمل السوق الجزء نفسه من الصدمة عبر خفض الهوامش". ويختم:"التضخم في لبنان ليس فقط قصة كلفة مرتفعة؛ إنه ايضا قصة سوق شديدة التركيز وشبه إحتكارية. وهذه البنية لها ثمن، والمستهلك هو من يدفعه".