مي الريحاني، الشاعرة اللبنانية التي اتخذت واشنطن منذ سنوات سكنًا لها، بقي لبنان ينبض في قلبها، وهي، من حيثما تكتب، تكون في قلب لبنان. أحدث ما صدر لها كتاب "من أوراقي" (160 صفحة، من القطع الوسط، منشورات "دار سائر المشرق" - 2026)، مع مقدمة للدكتور فيليب سالم. ويحمل الكتاب في هويته عنوان "إِبداعٌ ثقافيّ وتحدياتٌ سياسية"، وهو من قسمين: ثقافي يضم 18 مقطوعة عن مبدعين ومفكرين لبنانيين، وسياسي يضم 11 مقطوعة تتناول الواقع السياسي في لبنان. وقد شاءت الريحاني كتابها شهادة على أن وطنها ليس "بلَدًا" عاديًا ذا مواصفات عادية، بل منار يقاس بامتداد إشعاعه شرقًا وغربًا، وبأعلام يجعلونه عنوانًا أول في كتاب الحضارة. "نداء الوطن" تنشر مقاطع من بعض فصول هذا الكتاب. "ميّ، أميرة الانتشار اللبناني في العالم. أقرأُ في كتابها، تتدحرج الكلمات أمامي. هذه كلماتها. وأكاد أسمع صوتها. فأنا أعرف صوتها جيدًا. هذه ميّ، بنت والدها ألبرت الريحاني، وبنت ضيعتها الفريكة. وها هي في هذا الكتاب تبوح بحبّها. حبّها للبنان... جمعنا معًا حبّنا للبنان، وإيماننا العميق بعظمة حضارته. وجمعنا مشوارنا الطويل من قرى صغيرة في جبال لبنان إلى مدن كبيرة في الولايات المتحدة الأميركية. جئنا من بيوت من حجر، وربينا في قرى تملأها المحبّة. وبعد أن عشنا طفولتنا مع الأرض في الجبال، نزلنا إلى المدينة، ودرسنا في "الجامعة الأميركية في بيروت". بعدها ذهبنا إلى العالم... كلمة واحدة تختصر هويّة ميّ. إنها لبنانية. فهي تعشق الأرض وتقدّس الوطن... كانت ميّ أول امرأة في تاريخ لبنان تترشّح جدّيًا لمنصب رئاسة الجمهورية. وكانت تعرف جيدًا أن حظوظها في النجاح غير مضمونة. لم تصل إلى رئاسة الجمهورية. ولكنها أصبحت نموذجًا حضاريًا، نموذجًا جديدًا يجب أن يلتزم به كلّ مرشح للرئاسة في المستقبل... لم تكن ميّ واحدة من سياسيي لبنان، ولكنها أصبحت مثلا أعلى لكلّ منهم". "غنّيتِ للبنان أرضًا مقدّسة، زارها يسوع وحصلت أول أعجوبة. أحَبَّ هذه الأرض وعاد يزورها ليرتاح. عاد يزورها لأنه أحَبَّ شعبًا يعرف أن الأوجاع هي رحم الأمل والفرح والمستقبل. شعبٌ يعرف أن بَعدَ الصلب قيامة... أيتها الرسولة، أنت التي أُعطِي لك أن يكون صوتك نابعًا من تاريخ لبنان، صاعدًا كالأرز، وطاهرًا كأطفال القرى النائية، صلّي من أجل هذا الوطن المغاير كي يتعافى ويعود كنجمة الصباح ليَدلّنا على طريق السلام". من فصل "شارل مالك وإعلان حقوق الإنسان" "شارل مالك فكّر مطوّلا بجدلية العلاقة بين مفهوم الحرّيات وحقوق الإنسان. فبقدر ما يكون مفهوم الحرّيات ضعيفًا، بسبب الضغوطات الدينية التقليدية، تصبح حقوق الإنسان ضعيفة... المطلوب: حرّية الفرد التي تعرف حدود الحرّية المطلقة النابعة من احترام الأفراد الآخرين، وحرّية الأديان التي تعرف حدود الحرّية المطلقة النابعة من احترام الأديان الأخرى. أي لا دين يطغي على دين آخر، ولا فرد يُفرَض على فرد آخر... الحرّية الدينية، وخاصة لدى ممارستها، تضمن أن المعتقدات الدينية المختلفة تستطيع أن تتعايش بسلام، وتستطيع أن تعزّز الاحتفال بالتقاليد وبوجهات النظر المختلفة، كما تدعم فكرة احترام الآخر والسعي المستمرّ لفهم الآخر بعمق ومحبّة... عندما كتب شارل مالك عن الحرّية الدينية في نصّ حقوق الإنسان، كان يفكّر بالأقليات في العالم ويستوحي من الفصول الإيجابية في لبنان الناتجة عن لقاء هذَين النهرَين الأساسيَين... عملُك شارل مالك في مجال حقوق الإنسان جعلك تستحق مجدَ لبنان". من فصل "أمين الريحاني سفير العرب في الغرب" "كنتَ مقتنعًا، كامل الاقتناع، أن المسافات ليست بحاجز، وأن القيم هي الرابط الأساسي. كتبتَ: "قل كلمتك وامشِ"، وأصبح هذا شعارك. فقُلتَ كلمتك وسافرت إلى الصحراء، حاملا معك فكر أبو العلاء المعرّي العقلاني الذي شكّل مفتاحًا أساسيًا لتعمّقك في فهم العقل العربي، وأبيات والت ويتمان الذي أقنعك أن الولايات المتحدة ستكون السباقة بكسر الأوزان والقوافي ليصبح الفكر حرًّا يطير ساعة يشاء وكيفما يشاء في فضاءات نيويورك". "الفرح عند كركلا بحرٌ واسع يربط الجميع بأزياء ملونة... الفرح قوسُ قزح يرقص فوق خشبة، ويعلن أن لبنان سيقوم من تحت حطام المرفأ... الفرح تحدٍ لمنظومة عاثت في أرض مقدّسة... الفرح عنفوان وسع اللامحدود، عنفوان آتٍ من عمق تاريخ لبنان، نابع من ستة آلاف سنة، وفي صوت الفرح إيمان بالحق... تقول لنا نحن اللبنانيين: "كفى... يكفيكم عبثًا... عودوا إلى الهيكل المبني من خشب الأرز، المعتّق من بخور بعلبك، فادخلوه معًا، وأتيحوا لقلوبكم أن ترفع رايات الأخوة، ولعقولكم أن تقتنع بأن لا أحد يستفيد من إلغاء الآخر... ادخلوا الهيكل معًا، حاملين نبل تاريخ لبنان، وتجرّأوا على إضافة مدماك جديد كلّه خير وازدهار". من فصل "جبران ضوء يشع على العالم" "لدى جبران ثوابت سبعة