أصدر الكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتابًا جديدًا يحمل عنوان "شي جين بينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية"، وعنوانه الفرعي "رحلة الإنسان والقائد وباني نهضة الصين نحو المستقبل". ومن خلال 101 قصة، يرسم الكتاب صورة فكرية وإنسانية للرئيس الصيني شي جين بينغ، مستعينًا بسرد يجمع بين الأسلوب الأدبي والتوثيق التاريخي والقراءة السياسية. لا يسلك الكتاب مسار كتب السيرة التقليدية التي تقوم على ترتيب التواريخ وحصر المناصب والإنجازات، بل يحاول النفاذ إلى التجربة الإنسانية التي شكّلت شخصية شي جين بينغ. ولهذا، يتتبع المؤثرات العائلية والاجتماعية والسياسية والفكرية التي رافقته منذ طفولة محفوفة بالتحديات، مرورًا بالتجربة الشاقة التي عاشها في الريف، ثم تولّيه مسؤوليات محلية وحزبية متدرجة، وصولًا إلى قيادة الصين في حقبة حافلة بالتحولات الداخلية والدولية. يستند قميحة إلى قناعة مفادها أن تناول مسيرة القادة الكبار بالكتابة مهمة معقدة، لا يمكن اختزالها في توثيق السيرة أو إحصاء المنجزات، لأنها تستلزم فهم التجربة الإنسانية من الداخل واستيعاب الظروف التي أسهمت في صنعها. ومن هذا المنطلق، يرى أن الكتابة عن شي جين بينغ تضع المؤلف أمام اختبارين متلازمين، هما الفهم والإنصاف، خصوصًا أن تجربته القيادية تبلورت ضمن سياق صيني يمتلك خصوصيته الفكرية والتاريخية والسياسية، ولا يتطابق مع النماذج الغربية المهيمنة. من طفولة شي جين بينغ إلى قرية ليانغجياخه لذلك، يبدأ الكتاب من السنوات الأولى في حياة شي جين بينغ، متوقفًا عند أسرته والبيئة التي ترعرع فيها والمنظومة القيمية التي تلقاها. ثم ينتقل إلى مرحلة إرساله، خلال شبابه، إلى قرية ليانغجياخه الريفية، حيث عاش في ظل الفقر والظروف الطبيعية والاجتماعية الصعبة، ومارس العمل الشاق، ولامس عن قرب تفاصيل حياة المزارعين وحاجات الفئات الأقل حظًا. غلاف كتاب وارف قميحة الجديد. (الدار العربية للعلوم ناشرون) وتبيّن القصص أن تجارب الطفولة والشباب أدّت دورًا أساسيًا في صقل إرادة شي جين بينغ وتعزيز قدرته على تحمّل الصعوبات ومواصلة طريقه السياسي. كذلك تضيء على دخوله المبكر إلى مجال العمل العام، وخطواته الأولى في الحزب الشيوعي الصيني، إلى جانب المهمات الإدارية التي تولاها في المناطق المحلية، وما أتاحته له من معرفة مباشرة بقضايا التنمية والفقر والتعليم والبنية التحتية والإدارة العامة. الخبرة الميدانية وبناء الرؤية السياسية يرافق الكتاب انتقال شي جين بينغ بين عدد من مواقع المسؤولية في المقاطعات الصينية، ولا سيما في فوجيان وتشجيانغ، متتبعًا تطور نظرته إلى الإدارة والإصلاح عبر الخبرة الميدانية واحتكاكه المباشر بالمزارعين والحرفيين وأصحاب المشروعات الصغيرة. كما يتناول عنايته بتنمية الريف، ودعمه المبادرات الاقتصادية المحلية، وسعيه إلى تطوير البنية التحتية وتوطيد الثقة بين المواطنين والمؤسسات الحكومية. في ضوء هذه الخبرات، يبيّن الكتاب كيف تبلورت مجموعة من المبادئ التي تحولت لاحقًا إلى ركائز في رؤية شي جين بينغ للحكم. ومن أبرزها الحضور في الميدان، والنظر إلى القيادة بوصفها خدمة، والتمسك بالنزاهة والانضباط، والإنصات إلى حاجات الناس، وصوغ الحلول انطلاقًا من الواقع بدل الاكتفاء بالتوجيهات والنظريات. كيف تشكّلت رؤية شي جين بينغ للقيادة؟ على الرغم من أن الكتاب يتمحور حول مسيرة قائد، يؤكد قميحة أنه لا يتعامل مع القيادة على أنها فعل فردي منفصل عن محيطه، ولا يختصر حركة التاريخ في شخص واحد. فالتجربة التي يعرضها تكوّنت داخل منظومة جماعية واسعة، اضطلع فيها الحزب الشيوعي الصيني بدور تنظيمي وفكري في مسار التحديث، فيما شارك الشعب الصيني بفاعلية في عمليتي البناء والتحول، ولم يكن مجرد متلقٍّ للسياسات. الرئيس الصيني شي جين بينغ في الأمم المتحدة. (رويترز) بناءً على ذلك، يقرأ الكتاب نهضة الصين بوصفها حصيلة تفاعل متواصل بين القيادة والرؤية من جهة، والتنظيم الحزبي والإرادة الشعبية من جهة أخرى. ووفق هذه الرؤية، يتحقق تقدم الدولة بتكامل أدوار مكوناتها، فيما يستمد القائد مكانته من عمق صلته بشعبه، ومن قدرته على ترجمة تطلعاته إلى برامج وخطط وسياسات قابلة للتطبيق. الحلم الصيني والازدهار المشترك لا تنحصر القصص في الجوانب الشخصية من سيرة شي جين بينغ، بل تتوسع لتتناول أبرز مرتكزات فكره في الحكم وإدارة الدولة. وفي طليعة هذه المرتكزات الحلم الصيني، والنهضة الوطنية، والازدهار المشترك، والعدالة الاجتماعية. كذلك يعرض الكتاب رؤيته لتحديث منظومة الحوكمة، وفرض الانضباط داخل الحزب، ومواجهة الفساد، والجمع بين المرونة والحزم في تسيير الشأن العام. الصين بين حكمة التراث ومتطلبات التحديث يتتبع الكتاب أيضًا الطريقة التي يمزج بها شي جين بينغ بين مكوّنات الفكر الصيني