في قضية تحولت إلى اختبار مباشر لحدود حرية التعبير داخل المؤسسات الإعلامية الأميركية، أُلزمت صحيفة "واشنطن بوست" بإعادة الكاتبة كارين عطية إلى عملها وتعويضها عن كامل الرواتب والمزايا التي خسرتها، بعدما خلص قرار تحكيمي إلى أن الصحيفة لم تثبت وجود مخالفة مسلكية جسيمة تبرر فصلها على خلفية منشورات كتبتها بعد مقتل الناشط المحافظ تشارلي كيرك. وبحسب تقرير للصحافي عميت أبيتان في موقع "واللا" الإسرائيلي، استنادًا إلى ما أوردته شبكة "سي بي إس" أمس الاثنين، قضى قرار تحكيمي صدر الخميس بأن "واشنطن بوست" لم تقدم أساسًا كافيًا لفصل عطية، كما لم تثبت أنها ارتكبت مخالفة تأديبية خطيرة، وبناءً عليه تقرر إعادتها إلى العمل ودفع كامل راتبها والمزايا التي خسرتها منذ إقالتها. وكانت عطية تشغل منصب المحررة المؤسسة لقسم الآراء العالمية في الصحيفة، كما كانت الكاتبة السوداء الوحيدة ضمن هيئة تحرير قسم الرأي. وبعد إطلاق النار على كيرك ومقتله، نشرت عطية عبر حسابها على منصة "بلوسكاي" سلسلة تعليقات تناولت الحادثة وردود الفعل العامة عليها. وكتبت في أحد منشوراتها: "رفضي تمزيق ثيابي ووضع الرماد على وجهي في إطار حداد استعراضي على رجل أبيض دعا إلى العنف، لا يعادل العنف". وأضافت في منشور آخر: "إذا كان هناك شيء، فإن التسرع في حماية الرجال البيض العنيفين نابع من الدفاع عن النفس، فنحن نعرف أنهم غير معتادين على الشعور بالهشاشة وبأنهم قابلون للموت، وأنهم سيردون بعنف بدافع الخوف، وسنعاني جميعًا". وفي 11 أيلول، أي بعد يوم واحد على مقتل كيرك، تلقت عطية رسالة عبر البريد الإلكتروني تبلغها بقرار فصلها، واتُّهمت فيها بارتكاب "سلوك جسيم". وقالت الصحيفة في رسالة الفصل إن تصريحاتها العلنية بشأن وفاة كيرك انتهكت سياسة المؤسسة المتعلقة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وأضرت بالنزاهة المهنية للصحيفة، وكان من الممكن أن تعرض السلامة الجسدية لموظفيها للخطر. إلا أن المحكّمة سارة ميلر إسبينوزا خلصت، في قرار التحكيم، إلى أن الصحيفة لم تنجح خلال جلسة الاستماع التي عُقدت في 4 حزيران في إثبات أن عطية ارتكبت بالفعل مخالفة مسلكية جسيمة. كما قررت أن فصلها من دون سبب كافٍ شكّل انتهاكًا للاتفاق الجماعي الموقع بين الصحيفة ونقابة العاملين. وعلّقت عطية على القرار عبر حسابها في "إنستغرام"، قائلة: "بعدما فُصلت بصورة غير قانونية العام الماضي، أمر قرار تحكيم مستقل واشنطن بوست بإعادتي فورًا إلى العمل ودفع راتبي بأثر رجعي". وأضافت: "كان هذا صراعًا استمر عامًا، لكنه انتصار للصحافيين في كل مكان، وسيأتي المزيد لاحقًا". من جهتها، وصفت مؤسسة "مدافعو الديمقراطية"، التي مثّلت عطية إلى جانب نقابة العاملين في الأخبار في واشنطن وبالتيمور، القرار بأنه "لحظة مفصلية لحرية الصحافة". وقالت المؤسسة إن الحكم يوضح أن المؤسسات الإعلامية لا تستطيع استخدام الإجراءات التأديبية كوسيلة انتقام لإسكات الصحافيين الذين يتناولون "حقائق غير مريحة". وكان تشارلي كيرك، أحد مؤسسي منظمة الشباب المحافظة "تيرنينغ بوينت يو إس إيه" وحليف الرئيس دونالد ترامب، قد قُتل بالرصاص عن عمر 31 عامًا في 10 أيلول، خلال فعالية في جامعة يوتا فالي. ويواجه تايلر روبنسون، البالغ 23 عامًا، اتهامًا بالقتل في ظروف مشددة وجرائم أخرى، ولم يقدم حتى الآن رده على لائحة الاتهام. وعقب مقتل كيرك، نُشرت ردود فعل واسعة مؤيدة له وأخرى مناهضة، فيما تعرض عدد من الأشخاص الذين أدلوا بمواقف ضده لعقوبات أو للفصل من وظائفهم. وهكذا، تحولت قضية بدأت بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي عقب مقتل شخصية سياسية مثيرة للجدل إلى مواجهة قانونية حول صلاحيات المؤسسات الإعلامية وحدودها في محاسبة صحافييها، لتنتهي، حتى الآن، بقرار اعتبره ممثلو عطية محطة تتجاوز قضيتها الشخصية إلى نقاش أوسع بشأن حرية الصحافة داخل غرف الأخبار الأميركية.