يعود الاتحاد العمالي العام هذا الاسبوع إلى واجهة التحركات الاجتماعية، في ظل تصاعد الاعتراض على ارتفاع أسعار المحروقات وتآكل القدرة الشرائية وتراجع قيمة الأجور. وكان الاتحاد قد أعلن في 21 أيلول عن جملة مطالب، أبرزها تصحيح الأجور وبدل النقل، دفع الزيادات والتعويضات العائلية والمنح المدرسية، وتفعيل الرقابة على الأسعار، داعياً إلى تحركات وإضراب تحذيري بالتنسيق مع قطاعات نقابية مختلفة. ويأتي هذا التحرك في لحظة حساسة بالنسبة إلى الاتحاد، الذي لطالما شكّل تاريخياً إحدى أدوات الضغط الأساسية للدفاع عن الأجور والحقوق الاجتماعية، قبل أن تتراجع قدرته على حشد الشارع في مراحل عدة نتيجة الانقسامات النقابية والتداخل مع الحسابات السياسية. ولذلك، فإن تحرك يوم الأربعاء المقبل، لبعض القطاعات ومنها النقل البري التي دعت الى الاضراب العام لا يُقاس فقط بحجم المشاركة أو بمدى تعطيل القطاعات، بل بقدرة الاتحاد على الحفاظ على سقف مطالبه وتحويل الضغط في الشارع إلى نتائج ملموسة على طاولة الحكومة، ولا سيما في ملف الأجور وبدل النقل وضبط الأسعار. منذ تأسيسه، شكّل الاتحاد العمالي العام في لبنان أحد أبرز الأطر النقابية التي يُفترض أن تتولى الدفاع عن حقوق العمال، وتحسين الأجور، ومواجهة تراجع القدرة الشرائية، والضغط على الحكومات لإقرار سياسات اجتماعية أكثر إنصافاً. إلا أن مسيرته لم تكن مجرد سجل من الإضرابات والتحركات المطلبية، بل عكست أيضاً طبيعة العلاقة المعقدة بين العمل النقابي والسلطة السياسية في لبنان، حيث تداخلت المصالح الحزبية والطائفية مع المطالب الاجتماعية، وأثّرت على استقلالية الحركة العمالية وقدرتها على فرض مطالبها. وعلى امتداد عقود، شهد لبنان محطات نقابية بارزة، تمكّن خلالها الاتحاد من حشد العمال والضغط على الحكومات، لكنه واجه في المقابل انتكاسات عديدة، سواء نتيجة الانقسامات الداخلية، أو التدخلات السياسية، أو التسويات التي أفضت، في بعض الأحيان، إلى تعليق التحركات قبل الوصول إلى تحقيق المطالب الأساسية. ومع تراجع الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، عادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول دور الاتحاد، ومدى استقلالية قراره، وقدرته على استعادة موقعه كقوة تفاوضية تمثّل مصالح العمال. من التأسيس إلى الحرب الأهلية: نقابة استطاعت فرض مطالبها تعود الجذور التنظيمية للاتحاد العمالي العام إلى خمسينيات القرن الماضي، وتحديداً عام 1958، حين أُجيز تأسيسه بقرار حكومي، في إطار محاولة توحيد الاتحادات النقابية اللبنانية ضمن هيئة جامعة. لكن الاتحاد لم يتحول إلى إطار شامل للحركة النقابية دفعة واحدة، إذ بقيت اتحادات عديدة خارجه، نتيجة الخلافات السياسية والتنظيمية، إلى أن اكتمل توحيد الاتحادات الأساسية تحت مظلته في أيار 1970. شكّل إقرار ميثاق الاتحاد عام 1970 محطة مفصلية في تاريخه، إذ أصبح الإطار النقابي الوطني المعترف به للتفاوض بشأن قضايا العمال في القطاعين العام والخاص. إلا أن البنية التنظيمية التي أُنشئ عليها حملت منذ البداية ثغرات تتعلق بآليات التمثيل والانتخاب، الأمر الذي انعكس لاحقاً على استقلالية القرار النقابي، ولا سيما مع اتساع التدخلات السياسية في الشأن النقابي. وخلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، بين عامي 1975 و1990، حافظ الاتحاد، وفق شهادات نقابيين، على قدر ملحوظ من الاستقلالية، وتمكن من تنفيذ تحركات مطلبية أدت إلى تصحيحات متكررة للأجور، رغم الانهيار الاقتصادي والتضخم وتراجع مؤسسات الدولة. وقد شهدت تلك المرحلة أكثر من عشر عمليات تصحيح للأجور، وفق شهادة نقابية منشورة في مجلة الأمن العام، وهو ما يعكس الدور الذي أدّته الحركة العمالية في الضغط من أجل حماية الأجور، حتى في ظل ظروف الحرب. ولم تكن قوة الاتحاد في تلك المرحلة مرتبطة فقط بقدرته على تنظيم الإضرابات، بل أيضاً بقدرته على الحفاظ على حد أدنى من الوحدة النقابية، بعيداً عن الانقسامات التي ستطبع مرحلة ما بعد الحرب. وقد أتاحت له هذه الوحدة أن يكون طرفاً تفاوضياً فاعلاً، وأن يحوّل المطالب العمالية إلى ضغوط مباشرة على السلطة، بدلاً من أن تقتصر تحركاته على بيانات الاعتراض. إضراب 6 أيار 1992: محطة مفصلية وبداية التحوّل شكّل إضراب السادس من أيار 1992، الذي دعا إليه الاتحاد العمالي العام برئاسة أنطوان بشارة، واحدة من أبرز المحطات في تاريخه. فقد جاء في ظل تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية وتراجع القدرة الشرائية، ورفع الاتحاد مطالب تتصل بالأجور والأوضاع المعيشية، داعياً إلى إضراب عام استمر ثلاثة أيام، تخللته اعتصامات وتظاهرات. لكن التحرك سرعان ما تجاوز إطاره المطلبي، مع تسجيل أعمال قطع طرق وإحراق إطارات ومظاهر شغب، ورفع شعارات تطالب باستقالة حكومة الرئيس عمر كرامي. وأدى الإضراب، في سياق التطورات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد،