فيما يتواصل التصعيد الميداني الإسرائيلي في الجنوب، أطلق لبنان الرسمي سلسلة تحركات دبلوماسية بين واشنطن وروما، لرسم ملامح المرحلة الدقيقة التي تتصف بحبس الأنفاس. وإذ تعيش المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية حالة "موت سريري" في انتظار معطيات عدة، بينها الانتخابات في إسرائيل، يجد لبنان الرسمي نفسه في سباق مع الوقت لتدارك تداعيات استحقاقين أساسيين: الاتساع المطرد لنطاق "المنطقة الأمنية" التي أقامتها إسرائيل في الجنوب اللبناني، والخطر المحدق بلبنان مع نهاية ولاية "اليونيفيل" ودخول الجنوب في حالة من الفراغ الدولي. والأبرز هو اللقاء الذي عُقد في واشنطن بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والذي يمكن اعتباره محطة حساسة في المسعى اللبناني. فالرئيس سلام، الذي قاد ورشة لقاءات مهمة عربية وإقليمية ودولية في نيويورك، يدرك أن الاكتفاء بإعلان الدعم السياسي الأميركي لم يعد يكفي لدرء الخطر عن لبنان. ولذلك، تتركز الورقة اللبنانية على مطالبة الإدارة الأميركية بممارسة ضغط مباشر لفرض مسار تنفيذي ينطلق من وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي الشامل، مقابل استكمال الدولة اللبنانية لالتزاماتها السيادية. كما يضع سلام ملف البديل من "اليونيفيل" على طاولة البحث المباشر مع واشنطن، لأن العبور نحو الاستقرار يتطلب مظلة دولية جديدة تضمن حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني وتمنع الانزلاق نحو مواجهة جديدة. وتزامناً، يجري الرئيس سلام والوفد اللبناني، الذي يضم وزيري المالية ياسين جابر والطاقة والمياه جو الصدي، لقاءات مع كبار المسؤولين في مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في إطار السعي إلى دعم مسار الإصلاحات وتعزيز التعاون مع المؤسستين الدوليتين. في الموازاة، يأتي توجّه السفير سيمون كرم، المكلّف بملف التفاوض مع إسرائيل، إلى الفاتيكان وروما، كخطوة تحذيرية واستباقية تعكس استشعار الدولة اللبنانية لخطورة المماطلة الإسرائيلية في عقد الجلسة الثامنة من المفاوضات. وتكتسب العاصمة الإيطالية أهمية استثنائية لكونها احتضنت جولات سابقة، ولطرحها، بالتنسيق مع باريس، تشكيل قوة عسكرية أوروبية دولية بديلة تنتشر جنوب الليطاني لمنع الفراغ مع أفول نجم "اليونيفيل". ويريد لبنان، من خلال هذه الوساطة الكاثوليكية والدولية، نقل الملف من مجرد "جلسات شكلية" تُعطّلها الترددات السياسية الإسرائيلية إلى مسار إلزامي يدفع نحو وقف عمليات إسرائيل، ويفوّت عليها فرصة استغلال الوقت الفاصل عن انتخابات تشرين الأول لفرض واقع أمني جديد جنوباً. مع التنويه بأن إسرائيل كسرت في الأيام الأخيرة خطوطاً جديدة باستخدامها المروحيات القتالية "الأباتشي" في عمق القرى الجنوبية، فيما تتواصل عمليات التفخيخ والتمشيط، وسط مخاوف من توسيع نطاق الضغط العسكري نحو مناطق إقليم التفاح وتلال الريحان. أما داخلياً، فقد برزت ترددات خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في ذكرى السيد حسن نصرالله. ولقيت المواقف التي أعلنها في الخطاب أصداء اعتراض عالية النبرة، وجرى الرد عليها بمواقف تدعم العهد والرئاستين الأولى والثالثة، مع اعتبار أن لبنان الرسمي قد استعاد قراره المستقل للمرة الأولى منذ عقود، وأن حماية الأرض والشعب باتت مسؤولية الدولة ومؤسساتها الدبلوماسية والعسكرية حصراً، بعيداً من المغامرات الأحادية أو تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وأبرز هذه المواقف صدرت عن الدكتور سمير جعجع والنائبين سامي الجميل وأشرف ريفي. وبناءً على هذه المعطيات، يقف لبنان اليوم على خط تماس فاصل. فإما أن تنجح الدبلوماسية الرسمية عبر بوابتَي واشنطن وروما في إرغام إسرائيل على العودة إلى طاولة التفاوض وتوفير ترتيبات أمنية دولية ضامنة للحدود، وإما أن تستغل إسرائيل الفراغ الدولي المرتقب لتثبيت خطوطها الأمنية وتوسيع عملياتها. وفي واشنطن، التقى رئيس الحكومة نواف سلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مقر وزارة الخارجية، بحضور وزير الخارجية يوسف رجّي، ومستشار الخارجية الأميركية دان هولر، وسفيرة لبنان لدى واشنطن ندى حمادة معوض، والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى. وشدد سلام على ضرورة تفعيل الإطار الثلاثي وترجمته إلى خطوات عملية، تشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وحصر السلاح بيد الدولة، ووضع جدول زمني واضح للتنفيذ وآلية تحقق موثوقة. كما أكد أن الإطار يشمل أيضاً دعم الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار، إلى جانب استمرار دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته. من جهته، جدّد روبيو التزام الولايات المتحدة بدعم لبنان ومؤسساته الشرعية والجيش اللبناني، والمضي في تنفيذ الإطار الثلاثي بما يحقق الأمن والاستقرار. وفي بيروت، تزامن التحرك الأميركي مع بحث قائد الجيش العماد رودولف هيكل مع سفيرة الاتحاد الأوروبي في التطورات الراهنة ومرحلة ما ب