قضية بدأت بهاتف محمول انتهى في مياه الدانوب قبل أكثر من عامين عادت اليوم إلى ملاحقة رئيس الوزراء المجري بيتر ماديار، بعدما طلب بنفسه رفع حصانته البرلمانية، فاتحًا بذلك الطريق أمام استئناف الإجراءات الجنائية بحقه في ملف يعود إلى عام 2024. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، صوّت البرلمان المجري اليوم الاثنين على رفع حصانة ماديار خلال جلسة استثنائية، وجاء القرار بأغلبية 139 نائبًا، من دون أي صوت معارض أو ممتنع، رغم توصية لجنة الحصانة بخلاف ذلك. وتؤكد وكالة "أسوشيتد برس" أن القرار يسمح للنيابة بمواصلة التحقيق، لكنه لا يعني إدانة رئيس الحكومة أو ثبوت التهمة بحقه. وقبل التصويت، توجه ماديار بنفسه إلى أعضاء البرلمان مطالبًا برفع الحصانة عنه، مؤكدًا أنه لا ينوي استخدام موقعه السياسي للهروب من المسار القضائي. وقال: "أنا أتحمل مسؤولية كل أفعالي وليس لدي ما أخفيه"، مستحضرًا أحد المبادئ الـ12 للثورة المجرية عام 1848، وهو المساواة أمام القانون، ومعتبرًا أن المبدأ نفسه كان حاضرًا أيضًا في صلب انتقال السلطة الذي شهدته المجر عام 2026. وشدد على أن كل شخص، أياً كان موقعه، يجب أن يكون خاضعًا للمساءلة القانونية. وتعود جذور القضية إلى 21 حزيران 2024، عندما كان ماديار، الذي كان آنذاك سياسيًا صاعدًا، موجودًا في نادٍ ليلي في بودابست. وبحسب الادعاء العام المجري، دخل ماديار في مواجهة مع رجل كان يصوره بواسطة هاتفه المحمول، قبل أن ينتزع الجهاز من يده ثم يرميه عمدًا في نهر الدانوب. ولاحقًا، جرى العثور على الهاتف بمساعدة غواصين وإعادته إلى صاحبه، فيما ترى النيابة أن الواقعة قد ترقى إلى شبهة السرقة. وتؤكد "أسوشيتد برس" أن التحقيق يتعلق بشبهة سرقة بسيطة على خلفية هذه الحادثة. وفي أيلول 2024، طلبت النيابة رفع حصانة ماديار، الذي كان يومها عضوًا في البرلمان الأوروبي، إلا أن البرلمان الأوروبي رفض الطلب. وبعد مغادرته البرلمان الأوروبي وانتقاله إلى عضوية البرلمان المجري في أيار الماضي، أُعيد فتح التحقيق، قبل أن تطلب النيابة العامة في 22 أيلول رفع حصانته مرة أخرى. وماديار ينفي أن تكون أفعاله تشكل جريمة جنائية، وسبق أن أكد أنه لو عاد إلى الظروف نفسها اليوم لتصرف بالطريقة ذاتها. كما اتهم مسؤولين من عهد رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان بمحاولة طمس الفارق بين قضايا فساد تُقدّر بمليارات وبين حادثة هاتف، معتبرًا أن القضية تستخدم في إطار محاولة لتصفيته سياسيًا. وفي المقابل، تشير "أسوشيتد برس" إلى أن ماديار وصف التحقيق بأنه ذو دوافع سياسية، في وقت قال إنه يريد أصلًا إلغاء الحصانة البرلمانية في القضايا الجنائية التي تخضع للملاحقة العلنية. ولم يكن ماديار السياسي الوحيد الذي فقد حصانته خلال الجلسة نفسها. فقد صوّت البرلمان أيضًا على رفع حصانة وزيرين سابقين في حكومة أوربان، هما بالاش هانكو وميكلوش سيستاكس. ويُشتبه في هانكو بقضية تتعلق بسوء استخدام أموال مرتبطة بالصندوق الثقافي الوطني، فيما يواجه سيستاكس شبهة تلقي رشى. وبحسب "أسوشيتد برس"، تتعلق القضية الأولى بإدارة جنائية مشتبه بها لأموال عامة بقيمة 17.3 مليار فورنت، أي نحو 53.6 مليون دولار، فيما تتعلق القضية الثانية بشبهات تلقي أكثر من 12 مليار فورنت، أي نحو 37.2 مليون دولار، على شكل رشى وعمولات مرتبطة بصفقات ومشاريع حكومية. وقاطع نواب حزب "فيدس" وحليفه "KDNP" الجلسة، معتبرين أن الإجراءات ضد الوزيرين السابقين ذات دوافع سياسية، فيما يرفض الرجلان الشبهات المنسوبة إليهما. وبعد التصويت، كتب ماديار عبر مواقع التواصل الاجتماعي: "الجميع متساوون أمام القانون، سواء كنا نتحدث عن عامل في مصنع، أو عضو في البرلمان، أو رئيس للوزراء". وبذلك، يصبح بإمكان السلطات مواصلة الإجراءات في الملفات الثلاثة، من دون أن يعني رفع الحصانة صدور إدانة بحق أي من السياسيين المعنيين. وتؤكد "أسوشيتد برس" أن أياً منهم لم تُوجّه إليه حتى الآن لائحة اتهام. وبالنسبة إلى ماديار، تتحول حادثة الهاتف التي بدت في 2024 هامشية مقارنة بصعوده السياسي اللاحق إلى اختبار رمزي لشعار حكومته حول المساواة أمام القانون: فالرجل الذي وصل إلى رئاسة الحكومة على وقع وعود بالمحاسبة اختار هذه المرة أن يضع حصانته الشخصية جانبًا ويواجه التحقيق بنفسه.