في تموز 2006، لم يكن لبنان يعيش حرباً على شاشات التلفزيون، كانت الحرب في البيوت في الطرقات، في القرى الجنوبية، في الضاحية الجنوبية، في أصوات الطائرات التي لا تنقطع، في العائلات التي تحمل ما استطاعت من حاجياتها وتغادر تحت القصف، في أمّ لا تعرف إن كان ابنها سيعود، وفي أب يحاول أن يخفي خوفه عن أطفاله. وفي وسط ذلك كله، كان هناك صوت ينتظره الناس... صوت السيد حسن نصرالله. لم يكن ظهوره بالنسبة إلى جمهوره مجرد ظهور قائد سياسي، كان شيئاً أشبه بإشارة تقول إن الرجل ما زال هنا، وأن القيادة لم تغادر، وأن الحرب، مهما اتسعت، لم تستطع أن تسكت الصوت. وهكذا، في تموز، لم تعد الكلمة مجرد خطاب، صارت جزءاً من المعركة. 12 تموز... اليوم الذي اشتعل فيه كل شيء في 12 تموز/يوليو 2006، نفذ حزب الله عملية عند الحدود مع فلسطين المحتلة، في خلة وردة، أدت إلى مقتل جنود إسرائيليين وأسر جنديين، لتبدأ بعدها حرب واسعة استمرت 34 يوماً، استشهد خلالها أكثر من ألف مواطن لبنان، وشهد لبنان نزوحاً واسعاً، ودماراً كبيراً في البنية التحتية. لكن خلف الأرقام، كان هناك لبنان آخر، لبنان الناس، لبنان الذي استيقظ على الغارات، ولبنان الذي توزع بين نازحٍ يبحث عن مكان آمن، ومقاتل بقي في أرضه، وعائلة تنتظر خبراً، وقرية تحولت إلى خط مواجهة. وفي الجنوب، كانت القرى تعرف معنى الحرب أكثر من أي أحد. أما في الضاحية، فكانت الصواريخ تستهدف قلب البيئة التي ينتمي إليها حزب الله والقائد السيد حسن نصرالله. وكان السؤال يكبر كل ساعة: ماذا بعد؟ وخلف كل سؤال كان الناس يريدون أن يسمعوا فقط "السيد". في الحروب، يصبح الظهور نفسه رسالة. فالقائد الذي يظهر أمام الناس يقول لهم، قبل أن ينطق بأي كلمة، إنه ما زال موجوداً. والسيد كان يعرف ذلك. كان يعرف أن ملايين العيون معلقة بالشاشة، وأن خلف كل شاشة عائلة، وأن خلف كل عائلة سؤالاً: هل سنصمد؟ هل ستستمر المقاومة؟ هل يستطيع حزب الله أن يتحمل؟ هل سيبقى الجنوب؟ هل ستتوقف الحرب؟ لكن السيد كان يظهر، هادئاً، متماسكاً. يتحدث كما لو أن الفوضى من حوله لا تستطيع أن تسرق منه القدرة على ترتيب الجملة. وهذه الصورة بقيت واحدة من أكثر الصور التصاقاً بالسيد في ذاكرة محبيه. لم يكن السيد حسن نصرالله بعيداً عن الحرب. كان يعرف أن كل كلمة يقولها ستصبح جزءاً من الحرب نفسها. ولهذا لم تكن خطاباته في تموز بيانات روتينية. كان يشرح، ويطمئن، ويهدد، ويرفع المعنويات، ويخاطب الناس بلغتهم، وكان يعرف أن كل مجاهد في الجنوب يسمعه، وأن الأم التي نزحت تسمعه، وأن الجنوبي الذي بقي في قريته يسمعه، بل وأن العالم كله يسمعه أيضاً. وهنا، تحديداً، ظهر أحد أهم عناصر شخصيته القيادية: القدرة على تحويل الخطاب إلى حضور. لم يكن موجوداً في الشوارع، لكن صوته كان هناك، في البيوت، في الملاجئ، في السيارات، وفي الأماكن التي لجأ إليها النازحون. حتى إن خصومه لم يستطيعوا تجاهل قوة حضوره الإعلامي. كان صاحب الخطاب الأقوى، وكانت كلماته تحظى بمتابعة واسعة من المؤيدين والخصوم، لقد شكلت حرب تموز 2006 محطة محورية في صورته العامة. أما جمهوره، فكان يرى الأمر ببساطة أكبر: كانوا يريدون السيد. خلال حرب تموز كانت القرى الجنوبية تدفع الثمن الأكبر، الطرق تقطع، الجسور تدمر، البيوت تصاب، والناس تنزح. لكن في المقابل، كان المجاهدون يبقون في مواقعهم. وهنا، عند جمهور المقاومة، لم يعد الحديث عن الجنوب مجرد حديث عن أرض. صار حديثاً عن الصمود، والسيد كان يضع هذا الصمود في قلب خطابه. كان يعرف أن الحرب لا تُحسم فقط بما يحدث في الميدان. هناك أيضاً معركة الإرادة. من يصمد أكثر؟ من يستطيع أن يبقى واقفاً عندما تتساقط الصواريخ؟ من يستطيع أن يمنع الخوف من أن يتحول إلى انهيار؟ وهذه كانت إحدى أهم الصور التي ارتبطت بالسيد في تموز. لم يكن يعد الناس بحرب بلا ألم، بل كان يخاطبهم من داخل الألم نفسه. لم تكن الضاحية الجنوبية مجرد منطقة في خريطة الحرب، كانت رمزاً، وكانت مكاناً أراد القصف أن يحوّله إلى صورة للهزيمة. غير أن الصورة التي بقيت في ذاكرة جمهور السيد كانت مختلفة. البيوت التي دمرت لم تعنِ بالنسبة إليهم أن الناس انتهوا. والأحياء التي أفرغت من سكانها لم تعنِ أن الذاكرة غادرت. والنازح الذي حمل مفتاح بيته معه كان يقول، من دون خطاب: سأعود. وهنا كانت قوة العلاقة بين السيد وجمهوره. فهو لم يكن يخاطب جماعة سياسية مجردة. كان يخاطب أناساً يعرفون الحرب من الداخل، أناساً فقدوا، وأناساً نزحوا، وأناساً عادوا بعد انتهاء كل حرب ليجدوا أن عليهم أن يبنوا من جديد. ولذلك، حين كان السيد يتحدث عن الصبر والصمود، لم تكن الكلمات غريبة عنهم...كانت تشبه حياتهم. هناك خطابات تنتهي بانتهاء المناسبة،وهناك خطابات تصبح جزءاً من الذاكرة، وهناك خطابات تصبح هي الواقع