بعد عامين على اغتيال حسن نصرالله، يواجه "حزب الله" واقعاً مختلفاً عمّا عرفه في عهده. فقد خسر قادة وقدرات عسكرية، فيما يدفع جمهوره ثمن الدمار والنزوح، وتتزايد في لبنان الدعوات العلنية إلى نزع سلاحه. لكن إحياء ذكرى نصرالله وهاشم صفي الدين هذا الأسبوع أظهر، وفق تقرير إسرائيلي، أن الحزب لا يزال قادراً على حشد أنصاره وصوغ الرواية التي يفسّرون بها خسائرهم. وبحسب تقرير للدكتورة زوي ليفورنيك في مركز "ألما" الإسرائيلي، شكّل اغتيال نصرالله في 27 أيلول 2024، ثم اغتيال صفي الدين مطلع تشرين الأول، جزءاً من سلسلة ضربات أصابت قيادة الحزب. وعلى مدى أكثر من 3 عقود، كان نصرالله وجه التنظيم وصوته ومرجعيته المركزية، وربط قيادته بجمهوره وأسهم في تشكيل نظرة أنصاره إلى نجاحاته وإخفاقاته. أما نعيم قاسم، فتسلّم قيادة تنظيم متضرر من دون أن يحظى بمكانة شخصية مماثلة. وينقل التقرير عن معارضي الحزب في لبنان قولهم إنه ضعف بعد اغتيال نصرالله، وإن قاسم لم يتمكّن من ملء الفراغ الذي تركه. ويحمّله هؤلاء مسؤولية تجدد الحرب وما رافقها من دمار ونزوح طاولا بيئته الشيعية، مطالبين بأن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة. ويشير التقرير إلى انتقادات تُسمع أيضاً بين شيعة الجنوب، لكنه يقرّ بأن وجود هذه الانتقادات، حتى لو اتسع، لا يثبت أن جمهور الحزب قد تخلّى عنه. ويرى التقرير أن الحزب بات يواجه صعوبة أكبر في تقديم الثمن الذي دفعه سكان الجنوب والضاحية والبقاع بوصفه إنجازاً. وفي المقابل، يعتبر أن قياس موقعه يتطلب النظر إلى قدرته المستمرة على تنظيم جمهوره وحشده. وفي هذا السياق، أقام الحزب على مدى أيام نشاطات لإحياء ذكرى نصرالله وصفي الدين. فظهرت الصور واللافتات في الضاحية، ونُظّمت مسيرات ومراسم محلية، وبثّت قناة "المنار" مشاهد أرشيفية لنصرالله وهو يلتقي الناس. كما افتُتح في باحة مجمّع ضريحه في بئر حسن معرض لمقتنياته الشخصية، بينها عباءته وعمامته السوداء، في تقديم لصورته قائداً قريباً من أنصاره. وبلغت النشاطات ذروتها في تجمع قرب الضريح في 27 أيلول، حضره الآلاف بحسب تقارير إعلامية أجنبية، وألقى خلاله نعيم قاسم كلمة عُرضت على الشاشات. ويعتبر تقرير "ألما" أن الحزب سعى، عبر إحياء الذكرى والتأكيد على مواصلة نهج القياديين، إلى إظهار تماسكه وتعزيز ولاء جمهوره. ويستند التقرير إلى دراسة أصدرها المركز عن منظومة الحزب الإعلامية ودور الخطابات ووسائل الإعلام والملصقات والمناسبات والمؤسسات الاجتماعية في تشكيل رواية مشتركة لأنصاره. ووفق قراءته، لا يستطيع الحزب محو خسارة قادته أو آثار الدمار والنزوح، لكنه يسعى إلى منحها معنى يرتبط بالتضحية والوفاء والاستمرار. وبهذه الطريقة، يتحول الولاء لنصرالله وصفي الدين إلى ولاء للحزب بقيادته الحالية وخياراته، ومنها رفض نزع سلاحه. ويلفت التقرير إلى أن الخلاف بشأن توسيع مجمّع الضريح يكشف حدود هذا الحضور الرمزي أمام حاجات السكان. فوفق معلومات نُشرت قبل الذكرى، أُعدّت خطط التوسعة وجُمعت تبرعات لها، لكن العمل لم يبدأ. وكان جواد نصرالله، نجل حسن نصرالله، قد قال إنه لا ينبغي بناء مجمّع ضخم فيما لم تُعَمَّر بعد منازل السكان في الجنوب والضاحية والبقاع. ويرى التقرير في موقفه تذكيراً بأن إحياء الذكرى لا يعالج أوضاع النازحين ولا الضائقة الاقتصادية التي يواجهها جمهور الحزب. ويخلص التقرير إلى أن الحشود لا تثبت استعادة الحزب قدراته العسكرية، ولا تعني تأييد كل قرارات قيادته. لكنها تُظهر احتفاظه ببنية اجتماعية وإعلامية ورمزية تمكّنه من تعبئة أنصاره والتأثير في النقاش داخل بيئته؛ وهي قدرة قد تُبقي نفوذه قائماً رغم تراجع قوته.