بعد نحو عقد على مغادرته قصر الإليزيه وسط مستويات شعبية هي الأدنى في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، يعود الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند تدريجيًا إلى قلب المشهد السياسي، مستعدًا لاحتمال خوض انتخابات الرئاسة عام 2027، فيما يؤجل قراره النهائي حتى كانون الأول المقبل. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن هولاند، البالغ 72 عامًا والذي تولى رئاسة فرنسا باسم الحزب الاشتراكي بين عامي 2012 و2017، بدأ بالفعل سلسلة تحركات سياسية، تشمل لقاءات مع داعمين وجولات في أنحاء البلاد، بالتوازي مع طرح برنامج سياسي واقتصادي يبدو أقرب إلى أرضية لحملة رئاسية محتملة. وفي مقابلة مع مجلة "لو بوان" الفرنسية، أوضح هولاند أن قراره النهائي سيتوقف على قدرته على جمع قوى سياسية مختلفة حول ترشحه، وقال إنه إذا تبين له في كانون الأول أن الظروف تستدعي دخوله السباق وأن هناك إمكانية لبناء جبهة مشتركة، فسيتخذ القرار على هذا الأساس. وتؤكد المجلة أن الرئيس السابق سيحسم موقفه النهائي في كانون الأول. وفي المقابل، شدد هولاند على أنه لا يعتزم المشاركة في الانتخابات التمهيدية لليسار، معتبرًا أن هذه الآلية تؤدي إلى تقسيم المعسكر بدل توحيده، وأن الأولوية بالنسبة إليه تتمثل في بناء صيغة سياسية أوسع تتجاوز حدود الحزب الاشتراكي. وكان هولاند قد نشر في مطلع أيلول كتابًا جديدًا بعنوان "Unir: Nouveau monde, nouvelle gauche"، يضم أكثر من 80 اقتراحًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا إضافيًا إلى استعداده لاحتمال العودة إلى السباق الرئاسي. ومن بين أبرز المقترحات التي يطرحها، تحديد سن التقاعد عند 63 عامًا، وإجراء تغييرات على النظام الضريبي، إلى جانب زيادة تدريجية في ضريبة القيمة المضافة بهدف تمويل الخدمات الاجتماعية. وتتجاوز بعض أفكار هولاند الخطوط التقليدية للحزب الاشتراكي، في محاولة واضحة لمخاطبة شرائح من ناخبي الوسط أيضًا، إذ يقول إن المواجهة السياسية في فرنسا لم تعد محصورة بالشكل التقليدي بين اليمين واليسار، وإن المطلوب في 2027 هو القدرة على جمع الفرنسيين حول مشروع أوسع. وتكتسب عودة هولاند إلى الواجهة مفارقة خاصة بالنظر إلى الطريقة التي انتهت بها ولايته الرئاسية. فقد وصل إلى الإليزيه عام 2012 بعد فوزه على الرئيس نيكولا ساركوزي، إلا أن سنوات حكمه اتسمت بصعوبات اقتصادية وارتفاع البطالة، إضافة إلى الخلافات الحادة حول إصلاحات سوق العمل، بالتزامن مع الهجمات الدامية التي شهدتها فرنسا عام 2015. وفي المقابل، شهدت ولايته أيضًا خطوات بارزة، بينها إقرار زواج المثليين، إلا أن ذلك لم يمنع انهيار شعبيته إلى مستويات غير مسبوقة. ففي تشرين الأول 2016، أظهر استطلاع واسع أجراه مركز CEVIPOF وشمل 17047 شخصًا أن 4% فقط من الفرنسيين كانوا راضين عن أداء هولاند، وهي أدنى نسبة سجلها الاستطلاع منذ إطلاقه، فيما كان هولاند قد سجل أصلًا أرقامًا قياسية في عدم الشعبية بين رؤساء الجمهورية الخامسة. كما أظهر استطلاع آخر أجراه معهد Elabe في آذار من العام نفسه أن 17% فقط كانوا يثقون بقدرته على التعامل مع مشكلات فرنسا، مقابل 80% لم يمنحوه ثقتهم. وفي ظل هذه الأرقام، أعلن هولاند في كانون الأول 2016 أنه لن يسعى إلى ولاية رئاسية ثانية، في خطوة استثنائية بالنسبة إلى رئيس فرنسي في السلطة. لكن المشهد تبدل خلال السنوات اللاحقة، إذ عاد هولاند إلى العمل السياسي المباشر، وانتُخب مجددًا نائبًا عن الدائرة الأولى في إقليم كوريز في تموز 2024، ولا يزال عضوًا في الجمعية الوطنية ضمن مجموعة الاشتراكيين وحلفائهم. ومنذ ذلك الحين، كثف حضوره السياسي، وبدأ جولات ولقاءات في أنحاء فرنسا، بالتوازي مع بناء شبكة داعمين ومجموعة عمل تمهد لما قد يتحول إلى حملة فعلية إذا قرر خوض انتخابات 2027. لكن طموحاته لا تمر من دون اعتراض داخل اليسار الفرنسي، حيث تتعدد الشخصيات الراغبة في خوض الانتخابات الرئاسية، فيما لا تزال مسألة توحيد التيار الاشتراكي والديمقراطي الاجتماعي محل خلاف. وهكذا، يعود هولاند إلى المشهد من موقع مختلف تمامًا عن ذلك الذي غادر منه الإليزيه عام 2017: رئيس سابق انتهت ولايته عند قاع تاريخي في الشعبية، ونائب حالي يعرض أكثر من 80 مقترحًا ويترك باب العودة إلى الرئاسة مفتوحًا حتى كانون الأول، من دون أن يكون السباق داخل اليسار قد حُسم بعد.