قبل أيام من وصول الوفد الاقتصادي الإماراتي برئاسة وزير التجارة الخارجية الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، عاد اسم رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور إلى واجهة النقاش اللبناني، بعد تعليق للكاتب والمحلل السياسي نضال السبع دعا فيه إلى معالجة قضية الحبتور، معتبراً أن توفير الضمانات للمستثمر الخليجي يبدأ بحماية حقوقه، وأن هذه القضية تشكل اختباراً جدياً لمدى استعداد لبنان لاستعادة الثقة العربية. إثارة هذا الملف في هذا التوقيت ليست تفصيلاً عابراً. فالزيارة المرتقبة، التي تضم عشرات من كبار رجال الأعمال الإماراتيين، تحمل في طياتها رسالة سياسية واقتصادية مفادها أن أبوظبي ما زالت تنظر إلى لبنان كوجهة يمكن أن تستعيد جزءاً من دورها الاستثماري إذا توافرت البيئة المناسبة. غير أن هذه الرسالة تصطدم بسؤال أكثر تعقيداً من أي مشروع استثماري: هل يستطيع لبنان أن يعالج قضية مستثمر واحد، فيما لا يزال النظام المالي بأكمله ينتظر إعادة تنظيمه؟ في جوهرها، لا تنفصل قضية خلف الحبتور عن الأزمة المالية اللبنانية. فإذا كان الخلاف يتعلق بأموال أو حقوق تأثرت بانهيار القطاع المصرفي، فإن معالجته ترتبط منطقياً بالإطار التشريعي الذي يفترض أن ينظم حقوق جميع المودعين والمستثمرين، أي قانون الانتظام المالي وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. ولذلك، فإن أي حل يخرج عن هذا الإطار يطرح أسئلة قانونية وسياسية لا تقل أهمية عن القضية نفسها. المسار الأول هو منح الحبتور معالجة خاصة، انطلاقاً من اعتبارات تتعلق بأهمية العلاقات اللبنانية-الإماراتية، أو بالرغبة في إرسال رسالة طمأنة إلى المستثمرين الخليجيين. وقد يبدو هذا الخيار مغرياً في المدى القصير، لأنه قد يساهم في تحسين المناخ الاستثماري ويشجع رؤوس الأموال العربية على إعادة النظر في السوق اللبنانية. غير أن هذا المسار يحمل في المقابل مخاطر كبيرة. فإذا حصل مستثمر واحد على حقوقه خارج إطار الحل العام، فكيف ستبرر الدولة للمودعين اللبنانيين استمرار انتظارهم منذ سنوات؟ وكيف يمكن إقناع آلاف المستثمرين الآخرين بأن المساواة أمام القانون ما زالت قائمة؟ فالاستثناء، مهما كانت مبرراته، قد يتحول إلى سابقة يصعب احتواؤها. أما المسار الثاني، فيقوم على ربط قضية الحبتور بالحل الشامل، بحيث تخضع للآليات نفسها التي ستطبق على بقية المودعين والدائنين بعد إقرار قانون الانتظام المالي. وهذا الخيار يبدو أكثر انسجاماً مع مبدأ المساواة وسيادة القانون، لكنه يحمل كلفة اقتصادية وسياسية، لأنه يترك المستثمرين الخليجيين أمام مشهد تشريعي لم يكتمل بعد، ويؤجل تقديم أي رسالة عملية عن تحسن بيئة الاستثمار. ويبقى المسار الثالث، وهو الأكثر واقعية في نظر كثيرين، ويتمثل في البحث عن تسوية قانونية لا تبدو استثنائية في الشكل، لكنها تمنح الحبتور ضمانات أو حلولاً مختلفة في المضمون. بمعنى آخر، لا يكون هناك نص خاص باسمه، لكن تُستخدم أدوات قانونية أو قضائية أو تعاقدية تؤدي عملياً إلى معالجة ملفه بصورة أسرع من بقية الملفات. لكن حتى هذا الخيار لا يخلو من الإشكاليات. فالمستثمرون لا يقيسون جاذبية الدول بقدرتها على حل قضية واحدة، بل بقدرتها على بناء قواعد مستقرة تطبق على الجميع. والثقة لا تُستعاد عبر تسويات فردية، بل عبر منظومة قانونية واضحة يمكن لأي مستثمر أن يتوقع نتائجها مسبقاً. من هنا، فإن قضية الحبتور تجاوزت حدود نزاع فردي بين مستثمر وجهات لبنانية، لتصبح اختباراً لقدرة الدولة على التوفيق بين حاجتها الملحة إلى استعادة الاستثمار العربي، وبين التزامها بمبدأ العدالة والمساواة أمام القانون. فالوفد الإماراتي الذي يصل إلى بيروت لن يراقب فقط مصير قضية خلف الحبتور، بل سيراقب أيضاً كيفية إدارة الدولة اللبنانية لهذا الملف. المستثمر لا يسأل فقط إن كانت حقوق الحبتور ستُصان، بل يسأل أيضاً: إذا استثمرت في لبنان اليوم، فما هي القواعد التي ستحكم علاقتي بالدولة إذا واجهت أزمة مماثلة مستقبلاً؟ وهنا تكمن المفارقة. فلبنان يحتاج إلى المستثمر الخليجي أكثر من أي وقت مضى، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى استعادة صدقية مؤسساته القانونية والمالية. وإذا كانت معالجة قضية الحبتور ستتم خارج إطار الإصلاحات العامة، فقد تحقق مكسباً آنياً، لكنها قد تثير أسئلة أوسع حول عدالة النظام. أما إذا أُرجئت بالكامل إلى حين إقرار قانون الانتظام المالي، فقد يُنظر إليها على أنها دليل إضافي على بطء الإصلاح وعجز الدولة عن تقديم حلول عملية. بل: هل يستطيع لبنان أن يطمئن المستثمرين الخليجيين من خلال حل قضية فردية، فيما لا يزال الإطار القانوني الذي ينظم حقوق جميع المستثمرين والمودعين غائباً؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أهم نتائج زيارة الوفد الإماراتي، لأنها لن تحدد مصير قضية واحدة فحسب، بل سترسم أيضاً صورة لبنان الاستثمارية في المرحلة المقبل