لم يعد الخلاف بين أوتاوا وواشنطن محصورًا بالتجارة والرسوم الجمركية، إذ كشف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن حكومته تأخذ في حساباتها حتى السيناريو المتطرف المتمثل في استخدام الولايات المتحدة القوة ضد كندا، بالتوازي مع مسار متسارع لتقليص الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي على الجار الأميركي وتنويع الشراكات في الخارج. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، استنادًا إلى مقابلة موسعة أجراها كارني مع صحيفة "نيويورك تايمز"، تحدث رئيس الوزراء الكندي عن عمق الأزمة التي تمر بها العلاقات مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعن التغييرات التي باتت أوتاوا ترى نفسها مضطرة إلى إدخالها على استراتيجيتها الاقتصادية والأمنية. وكانت أبرز تصريحات كارني عندما سُئل عما إذا كان قد تعامل بجدية مع احتمال استخدام ترامب القوة العسكرية ضد كندا، على خلفية التهديدات التي طالت سيادتها خلال العام ونصف العام الماضيين. وقال كارني: "لديك مسؤولية في مثل هذه المناصب بأن تنظر في المخاطر القصوى. عندما يهدد زعيم دولة سيادتك، فإنك تتكيف وفقًا لذلك. هذا مجرد إدارة للمخاطر. ليس هذا هو السيناريو الأساسي، لكن سيكون من غير المسؤول عدم أخذ بعض الأمور في الحسبان". وأكدت تقارير عن المقابلة أن كارني درس بالفعل ما وصفه بـ"الخطر الطرفي المتطرف" لتحرك عسكري أميركي، من دون أن يعتبره السيناريو المرجح. وتناول كارني أيضًا الحرب التجارية بين البلدين، متهمًا الولايات المتحدة بانتهاك الترتيبات التجارية القائمة ومحاولة فرض شروط تمس السيادة الاقتصادية الكندية. وقال: "كانت هناك تهديدات مباشرة لسيادتنا، ومحاولات خلال المفاوضات كان من شأنها المساس بسيادتنا الاقتصادية، وهذا أمر لن نقبل به". وكان كارني قد أعلن في آب تعليق المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة، معتبرًا أن شروطًا أميركية جديدة طُرحت في اللحظات الأخيرة كانت "غير عادلة وغير اقتصادية"، وأن حكومته لن توافق على اتفاق بأي ثمن أو على حساب استقلال كندا وسيادتها. وذهب رئيس الوزراء الكندي أبعد من ذلك، معتبرًا أن الاعتماد الاقتصادي العميق على الولايات المتحدة تحول إلى نقطة ضعف يمكن استخدامها للضغط على بلاده. وقال: "عندما يُستخدم التكامل الاقتصادي كوسيلة للإكراه، لا يمكنك محو ذلك من ذاكرتك. تبدأ بالتفكير: حسنًا، كيف أنوّع وأبتعد عن هذا؟". وفي المقابلة نفسها، شرح كارني أن كندا تعمل بصورة منهجية على تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة في قطاعات حيوية، من الأقمار الصناعية إلى أنظمة الاتصالات وحتى المقاتلات، مشددًا على ضرورة تنويع الموردين والشراكات. وبحسب التقرير، تراجع نصيب الولايات المتحدة من الصادرات الكندية بصورة ملحوظة من نحو 75% إلى نحو 62%، في انعكاس للجهود التي تبذلها أوتاوا لفتح أسواق بديلة. وتشير بيانات كندية حديثة أيضًا إلى نمو الصادرات نحو الأسواق غير الأميركية وإلى استراتيجية رسمية هدفها مضاعفتها خلال العقد المقبل. وفي هذا الإطار، تولي أوتاوا أهمية متزايدة لتعزيز علاقاتها مع أوروبا، إذ دعا كارني مؤخرًا إلى شراكة استراتيجية أعمق بين كندا والاتحاد الأوروبي تشمل الدفاع والمعادن الحيوية والطاقة والذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية، في إطار تقليص قابلية الطرفين للتعرض للضغط من قوى كبرى. كما تحدث كارني عن الحاجة إلى استقلال تكنولوجي أكبر، وأشار إلى التوجه لتنويع البدائل بعيدًا عن أنظمة الاتصالات الأميركية، وفي مقدمتها شبكة "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك. وقال صراحة: "سننوّع بعيدًا عن ستارلينك، لا شك في ذلك"، ضمن خطة أوسع تشمل أيضًا دراسة بدائل للمقاتلات الأميركية F-35 وتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية الحساسة. لكن هذا التحول لا يعني، بحسب كارني، أن الصين ستصبح البديل الاستراتيجي للولايات المتحدة. وقال إن العلاقة التجارية بين كندا والصين "كانت معطلة بصورة جوهرية"، مشددًا على أن بلاده لا تعتزم التعاون مع بكين في مجالات حساسة مثل الذكاء الاصطناعي أو الأمن، رغم إمكان توسيع بعض الروابط الاقتصادية. وأكدت تقارير المقابلة أن كارني يميز بين تعميق العلاقات الاقتصادية مع الصين وبين أي تعاون دفاعي أو أمني معها. وفي ختام حديثه عن العلاقة مع واشنطن، تمسك كارني بإمكان التوصل إلى تفاهم تجاري جديد، لكنه ربط ذلك باحترام السيادة الكندية. وقال: "هناك صفقة جيدة على الطاولة، وعلى الولايات المتحدة أن تحترم سيادتنا. الأمر بهذه البساطة. نحن أناس عقلانيون". وتعكس تصريحات كارني تحولًا واضحًا في نظرة أوتاوا إلى علاقتها التقليدية مع واشنطن: فالحليف الأقرب لا يزال الشريك الاقتصادي والأمني الأهم، لكن كندا لم تعد مستعدة، وفق خطاب حكومتها، لبناء استراتيجيتها على افتراض أن هذا الاعتماد سيبقى دائمًا مصدر حماية لا ورقة ضغط.