دبلوم رائد ينقل خبراء اللغة من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى المشاركة في بنائه لم يعد السؤال، في زمن الذكاء الاصطناعي، ما إذا كانت الآلة قادرة على الترجمة. فالتطور التقني تجاوز هذا السؤال إلى آخر أكثر إلحاحاً: من يبني الأدوات التي تتدخل اليوم في صياغة اللغة وإنتاج المعنى؟ ومن يختبرها ويكشف حدودها وانحيازاتها، ويضمن ألّا تختزل السرعة التقنية ما تحمله الكلمات من فكر وثقافة وتجربة إنسانية؟ هذا هو الرهان الذي اختارت مدرسة الترجمة بيروت (ETIB) في جامعة القديس يوسف أن تواجهه. لا بمقاومة الذكاء الاصطناعي ولا بالاستسلام له، بل بفهمه ومساءلته والمشاركة في بنائه. فاللغة أعمق من أن تُترك للخوارزميات وحدها، والمعنى أدق من أن يُختزل في مخرجات آلية، مهما تطوّرت قدرة الآلة على محاكاته. لذلك، لم يكن احتفال المدرسة باليوم الدولي للترجمة استعادة لماضي مهنة عريقة بقدر ما كان مناسبة للنظر في مستقبلها. وفي هذا السياق، أطلقت المدرسة "الدبلوم الجامعي في الهندسة اللغوية المطبّقة على المهن اللغوية"، بالتعاون مع كلّيتَي الهندسة والعلوم ومركز الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي في الجامعة (CINIA). يأتي هذا الدبلوم، وهو الأول من نوعه في لبنان، استجابة أكاديمية وعملية للتحوّلات التي تطال الترجمة التحريرية والفورية والتواصل متعدد اللغات. يمتد هذا الدبلوم ستة أشهر ويُقدَّم عن بُعد، باللغتين الإنكليزية والعربية. غير أنّ الرهان لا يقتصر على تعليم خبراء اللغة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. المطلوب أن يفهموا كيف تعمل هذه الأدوات، وكيف تُبنى بياناتها، وكيف يُختبر أداؤها، وأن يمتلكوا المعرفة التي تتيح لهم المشاركة في تطويرها. عندئذ، لا يبقى الخبير اللغوي مجرّد مستهلكٍ لحلول صُممت بعيداً منه، بل يصبح شريكاً في صنعها، قادراً على مناقشة المهندسين وصنّاع السياسات، وعلى ضمان ملاءمتها للّغات والثقافات والحاجات المهنية التي يعرفها خير معرفة. وأُعلن عن الدبلوم خلال طاولة مستديرة عُقدت حضورياً وعن بُعد بعنوان "البناء المشترك للذكاء الاصطناعي من أجل المهن اللغوية: من الابتكار التعاوني إلى تكوين المستقبل"، في حضور رئيس الجامعة الأب البروفيسور فرنسوا بوادِك اليسوعي، وأساتذة وطلاب وممثلين عن مؤسسات شريكة دولية. وتمحورت المداخلات حول فكرة واضحة: ينبغي ألا يُصنع مستقبل الذكاء الاصطناعي بمعزل عن خبراء اللغة. فهؤلاء ليسوا مستخدمي الأدوات المستهدفين في نهاية المسار وحسب، بل هم شركاء قادرون على تحديد الحاجات، وصوغ المتطلبات، واختبار النماذج، وتقويم النتائج وتحسينها. وذكّرت عميدة كلية اللغات والترجمة، البروفيسورة جينا أبو فاضل سعد، بأن الريادة، منذ تأسيس مدرسة الترجمة بيروت في العام 1980، ليست موقعاً ثابتاً يُكتفى بالحفاظ عليه، بل هي حركة مستمرة واستعداد لما يأتي. واختصرت موقف المدرسة بقولها: "لا نريد أن نخضع للذكاء الاصطناعي، أو أن نخشاه، أو أن ننبهر به بسذاجة. نريد أن نتعلم كيف نفكّر فيه، وكيف نقوّمه، وأحياناً كيف نصمّمه بأنفسنا". أما مديرة المدرسة، البروفيسورة ماري يزبك، فتوقفت عند الخطابات التي تنبّأت باختفاء المترجمين وانحسار المهن اللغوية. وبدلاً من الاكتفاء بالردّ على هذه التنبؤات، اختارت المدرسة جواباً عملياً: تكوين خبراء يفهمون التكنولوجيا فهماً يسمح لهم بالتأثير في مسارها، بدلاً من الاكتفاء بالتكيّف مع ما تفرضه عليهم. وتظهر ملامح هذا الخبير الجديد في بنية الدبلوم نفسه. إذ يبدأ المسار بمعالجة اللغات الطبيعية والترجمة الآلية، ثم ينتقل إلى بناء البيانات، وهندسة الأوامر والتعليمات، ودمج النماذج اللغوية الكبيرة وتقويمها ضمن مقاربة تهدف إلى تعزيز القدرات البشرية. ويشمل البرنامج أيضاً هندسة المعرفة والأخلاقيات والنقد التكنولوجيّ والمسؤولية المهنية، وينتهي بمشروع تطبيقيّ تحت إشراف الأساتذة المشاركين في تدريس المقرّرات. إن الفكرة التي تحكم هذا المسار بسيطة وحاسمة: التكنولوجيا أداة لتعزيز القدرات البشرية، وليست بديلاً منها. وقد لخّصت البروفيسورة يزبك فلسفة البرنامج بقولها: "أن نفهم قبل أن نستخدم، وأن نبني قبل أن نستهلك، وأن نقوّم قبل أن نثق، وأن نظّل مسؤولين إنسانياً في كل مرحلة". ومن كليّة العلوم، أشار البروفيسور زياد فرنسيس إلى الصلة التاريخية بين الترجمة والذكاء الاصطناعي، مشدّداً على ضرورة إشراك المتخصّصين في اللغة منذ المراحل الأولى لتصميم الأدوات. فإذا لم يتدخّل الخبير اللغوي إلّا بعد اكتمال النظام، ينحصر دوره في إصلاح مشاكل كان يمكن تفاديها لو شارك منذ البداية في تحديد الحاجات، وبناء البيانات، ووضع معايير الجودة. أما التجسيد الأوضح لهذه المقاربة داخل المدرسة فهو منصة «ETIB Interpreter Trainer»، التي تندرج في برنامج الماستر في الترجمة الفورية الجديد وما يوليه من أ