رفع الكرملين سقف رسائله الأمنية تجاه كييف، مؤكدًا أن موسكو ستتحرك انطلاقًا من مصالحها الوطنية لضمان عدم تجرؤ أي طرف على محاولة توجيه ضربات واسعة ضد روسيا، في وقت تتواصل فيه المواجهة الجوية بين الطرفين وتتزايد الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، الاثنين، إن روسيا تعتبر حماية أمنها ومنع أي جهة من التفكير في توجيه ضربات واسعة ضدها جزءًا أساسيًا من مصالحها الوطنية. وأضاف بيسكوف، في معرض تعليقه على تصريحات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن شروط موسكو لأي تسوية محتملة للحرب في أوكرانيا، أن "المصالح الوطنية لروسيا معروفة للجميع"، مشددًا على أن بلاده "يجب أن تضمن أمنها". وتابع أن موسكو تعمل لكي "لا تكون لدى أي جهة الجرأة" على وضع خطط تستهدف روسيا أو اقتصادها، مستعيدًا في هذا السياق الحملة الأوكرانية التي امتدت 40 يومًا خلال الصيف. وكان الكرملين قد وصف سابقًا تلك الحملة بأنها محاولة لتوجيه "ضربة ساحقة" إلى الاقتصاد الروسي، في حين أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في 25 حزيران أنه وافق على عملية تستمر 40 يومًا وتهدف إلى "التأثير" في روسيا والضغط عليها لإنهاء الحرب. وأكد بيسكوف أن هذا هو جوهر المصلحة الوطنية الروسية، في إشارة إلى أولوية حماية الأراضي والمنشآت والبنية التحتية من الهجمات بعيدة المدى. وجاءت تصريحات الكرملين بعد أن شدد بوتين على أن موسكو ستتعامل مع ملفات التسوية انطلاقًا من مصالحها وأمنها، وهو موقف كرره المسؤولون الروس خلال الأشهر الماضية باعتباره أحد الشروط الأساسية لأي تسوية سياسية أو أمنية للحرب. وكان بيسكوف قد أكد في تموز أن "الأمن الموثوق لروسيا ومصالحها الوطنية" سيجري ضمانهما، في ظل ما تعتبره موسكو تصعيدًا مستمرًا ضدها. وتعود حملة الـ40 يومًا التي استحضرها الكرملين إلى نهاية حزيران، عندما أعلن زيلينسكي بعد اجتماع مع قيادة جهاز الأمن الأوكراني الموافقة على سلسلة عمليات بعيدة ومتوسطة المدى ضد أهداف روسية. وتركزت الحملة بصورة أساسية على منشآت عسكرية ولوجستية وبنى تحتية مرتبطة بقطاع الطاقة، ولا سيما مصافي النفط والمستودعات ومحطات الضخ، في إطار مسعى أوكراني للضغط على الاقتصاد الروسي وتقليص الموارد التي تقول كييف إنها تستخدم في تمويل الحرب. وبحسب جهاز الأمن الأوكراني، استهدفت قواته خلال تلك الفترة أكثر من 100 موقع استراتيجي داخل روسيا وفي المناطق التي تسيطر عليها القوات الروسية، بينها منشآت للصناعات العسكرية وقواعد جوية وأنظمة دفاع جوي وسفن ومصافٍ نفطية ومرافق نقل ولوجستية. وهذه الأرقام صادرة عن الجانب الأوكراني ولم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة بالكامل. وفي الأشهر التالية، استمرت أوكرانيا في تنفيذ ضربات متوسطة وبعيدة المدى على الأراضي الروسية، مع تركيز واضح على قطاع النفط والتكرير، فيما ردت روسيا بتكثيف هجماتها الصاروخية وهجمات المسيّرات على أهداف أوكرانية. وخلال أيلول، طالت ضربات أوكرانية مصافي روسية في سامارا وباشكورتوستان، بالتزامن مع استمرار الضربات الروسية على مدن ومنشآت أوكرانية. وبات ملف الطاقة أحد أبرز محاور التصعيد بين موسكو وكييف، إذ تربط أوكرانيا استهداف المنشآت النفطية الروسية بمحاولة إضعاف قدرة موسكو على تمويل الحرب، بينما تصف روسيا هذه الهجمات بأنها استهداف لبنيتها الاقتصادية والمدنية وتؤكد أنها سترد عليها. وفي المقابل، أظهرت الأسابيع الأخيرة محاولات متجددة لطرح هدنة تتعلق بمنشآت الطاقة، وسط مخاوف دولية من تأثير الضربات المتبادلة على أسواق النفط والوقود. وأبدى زيلينسكي استعدادًا لمناقشة خفض التصعيد إذا أوقفت روسيا بدورها ضرباتها على البنية التحتية الأوكرانية، في حين قالت موسكو إن أي ترتيبات من هذا النوع يجب أن تكون جزءًا من تسوية أشمل وليس مجرد وقف جزئي للهجمات. وبين استمرار الضربات بعيدة المدى والحديث عن مسارات تفاوضية، يعكس تصريح بيسكوف تمسك موسكو بإدراج أمن الأراضي الروسية وقدرتها على منع الهجمات العميقة ضمن أي معادلة مستقبلية لإنهاء الحرب، فيما تواصل كييف استخدام الضربات على البنية العسكرية والطاقة كأداة ضغط على روسيا.