دخل التوتر بين إسرائيل وإسبانيا مرحلة جديدة من التصعيد الدبلوماسي، بعدما استدعت وزارة الخارجية الإسرائيلية القائمة بالأعمال الإسبانية في تل أبيب، فرانسيسكا بيدروس، لتوبيخها على خلفية تصريحات لوزيرة الشباب والطفولة الإسبانية سيرا ريغو دعت فيها إلى "فلسطين حرة من النهر إلى البحر"، في وقت وصلت فيه العلاقات بين البلدين أصلًا إلى واحد من أدنى مستوياتها منذ سنوات. وأعلنت الخارجية الإسرائيلية، الاثنين، أن بيدروس استُدعيت للمثول أمام مدير الشؤون السياسية والاستراتيجية في الوزارة غلعاد كوهين، بعد تصريحات أدلت بها ريغو الخميس الماضي خلال فعالية في مدريد بحضور السفير الفلسطيني لدى إسبانيا فادي الحسيني. وكانت ريغو قد قالت إن موقف المجتمع الإسباني "واضح"، وإنه يؤيد "فلسطين حرة من النهر إلى البحر"، مؤكدة أن إسبانيا، وفق موقفها، اختارت الوقوف إلى جانب حقوق الفلسطينيين. كما دعت خلال المناسبة إلى زيادة الضغط السياسي والدبلوماسي على إسرائيل. وردّت وزارة الخارجية الإسرائيلية باعتبار التصريحات جزءًا مما وصفته بـ"سياسة منهجية مناهضة لإسرائيل" تنتهجها الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز، لتقرر استدعاء أعلى ممثلة دبلوماسية إسبانية حاليًا في إسرائيل وتوجيه احتجاج رسمي إليها. وكانت القائمة بالأعمال الإسرائيلية في مدريد دانا إرليخ قد هاجمت تصريحات ريغو فور صدورها، معتبرة أن الوزيرة تستخدم خطابًا معاديًا لإسرائيل، فيما رفضت ريغو وحلفاؤها السياسيون مرارًا الاتهامات الموجهة إليهم، مؤكدين أن مواقفهم تستهدف سياسات الحكومة الإسرائيلية وليس المجتمع اليهودي. ولا يأتي الاستدعاء في فراغ، إذ تشهد العلاقات الإسبانية الإسرائيلية منذ عام 2024 تدهورًا متسارعًا على خلفية الحرب في غزة والموقف الإسباني من القضية الفلسطينية. وفي 28 أيار 2024، اعترفت إسبانيا رسميًا بدولة فلسطين إلى جانب أيرلندا والنرويج، في خطوة أثارت اعتراضًا إسرائيليًا حادًا ودَفعت إسرائيل إلى استدعاء سفيرها في مدريد آنذاك. وبررت مدريد القرار بأنه يهدف إلى دعم حل الدولتين وتحريك المسار السياسي. وتصاعد الخلاف أكثر في أيلول 2025، عندما أعلنت حكومة سانشيز سلسلة إجراءات شملت منع السفن والطائرات التي تحمل أسلحة إلى إسرائيل من استخدام الموانئ والمجال الجوي الإسباني، إلى جانب قيود أخرى مرتبطة بالتعاون العسكري والتجاري. ورد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر باتهامات حادة للحكومة الإسبانية. وفي الفترة نفسها، تحركت وزارة الدفاع الإسبانية لفك ارتباطها بعقود مع شركات إسرائيلية، وألغت عقدين كبيرين بلغت قيمتهما الإجمالية نحو مليار يورو، في إطار ما وصفته مدريد بخطة للانفصال عن التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية واستبدال موردين أوروبيين وإسبان بها. وفي آذار 2026، سحبت مدريد سفيرتها لدى إسرائيل بصورة نهائية، بعد أن كانت قد استدعتها سابقًا للتشاور، وأصبحت السفارة الإسبانية في تل أبيب تُدار على مستوى قائم بالأعمال. وفي المقابل، بقيت السفارة الإسرائيلية في مدريد أيضًا تحت إدارة قائم بالأعمال، ما عكس حجم التراجع في مستوى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ولم يتوقف الخلاف عند العلاقات الثنائية، إذ دفعت إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي باتجاه اتخاذ إجراءات أوسع بحق إسرائيل. وفي نيسان 2026، طالبت مدريد إلى جانب دول أخرى بتعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، مستندة إلى مواقفها بشأن الحرب في غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، إلا أن المقترح لم يحصل على الدعم المطلوب داخل الاتحاد. وعادت إسبانيا في أيلول الجاري إلى المشاركة في تحرك أوروبي أوسع بشأن المستوطنات، إذ أعلنت مع مجموعة من الدول الأوروبية وكندا دعمها أو دراستها فرض قيود على التجارة مع المستوطنات في الضفة الغربية. كما شهد العام الحالي سلسلة استدعاءات متبادلة بين الطرفين. ففي أيار، سبق للخارجية الإسرائيلية أن استدعت بيدروس على خلفية قضية مرتبطة بنشطاء "أسطول الصمود"، فيما استدعت مدريد بدورها ممثلين إسرائيليين في مناسبات أخرى للاحتجاج على تصريحات وإجراءات إسرائيلية. ويأتي الاستدعاء الأخير بعد أيام فقط من خطاب ألقاه سانشيز أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة جدّد فيه انتقاداته الحادة للسياسة الإسرائيلية في غزة، وأشار إلى حظر السلاح الذي فرضته حكومته، ما يؤكد استمرار الفجوة السياسية بين الطرفين.