من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ترسم الانتخابات الإقليمية الأخيرة في ألمانيا صورة سياسية مختلفة، بعدما حقق حزب "البديل من أجل ألمانيا" AfD نتيجة غير مسبوقة في ساكسونيا-أنهالت، فيما انتزع حزب "دي لينكه" صدارة برلين، وسط تساؤلات متزايدة حول أسباب اندفاع الناخبين نحو الأطراف وما إذا كانت الخريطة السياسية الألمانية تدخل مرحلة تحول أعمق. وبحسب تقرير للصحافية كيرين نويباخ في هيئة البثّ الإسرائيلية "كان"، وفي نقاش مع دوف غيل هار وكريستوف شولت من مجلة "دير شبيغل"، برز اسم أولريش زيغموند، البالغ 35 عامًا، كأحد أبرز وجوه الصعود الجديد لـAfD، بعدما قاد الحزب إلى نتيجة تاريخية في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت. وبابتسامة لافتة، وعلى دراجة "سيمسون" قديمة بلون أزرق فاتح من صناعة ألمانيا الشرقية، إلى جانب مقاطع مصورة مصقولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تمكن زيغموند من قيادة AfD إلى نحو 44% من الأصوات، متجاوزًا حتى التوقعات التي سبقت الاقتراع. وأظهرت النتائج النهائية حصول الحزب على 43.8% من الأصوات في ساكسونيا-أنهالت، في أكبر نتيجة له هناك، مقابل 17.2% للاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU. وطرح بودكاست "حتى الحافة" مع كيرين نويباخ سؤالًا أوسع حول ما يجري في ألمانيا، والأسباب التي تدفع أعدادًا متزايدة من الناخبين نحو أطراف المشهد السياسي، إلى جانب البحث في سر جاذبية الزعيم الشاب لـAfD، وفي ما إذا كانت ثقافة إحياء ذكرى المحرقة نفسها بدأت تظهر عليها تصدعات. ولم يقتصر صعود AfD على ساكسونيا-أنهالت، إذ أصبح الحزب أيضًا القوة الأكبر في ولاية مكلنبورغ-فوربومرن، بعدما حصد نحو 38% من الأصوات في الانتخابات الأخيرة. وكان جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني قد رفع في 2025 تصنيف AfD على المستوى الاتحادي إلى "تيار يميني متطرف مؤكد"، إلا أن محكمة إدارية في كولونيا علّقت في شباط 2026 استخدام هذا التصنيف بحق الحزب ككل إلى حين البت في القضية الأساسية، مع تأكيدها في الوقت نفسه وجود "شبهة قوية" بشأن توجهات مناهضة للنظام الدستوري داخل الحزب. وفي الجهة المقابلة من الخريطة السياسية، حقق حزب "دي لينكه" اليساري فوزًا لافتًا في برلين، بعدما حصد قرابة 26% من الأصوات وتصدر الانتخابات في العاصمة. وكان حضور الشباب أحد أبرز عناصر هذه النتيجة، إذ أظهرت بيانات التصويت أن 43% من الناخبين بين 16 و24 عامًا اختاروا "دي لينكه"، وهي نسبة تقترب من نصف هذه الفئة العمرية. وبذلك، لم تعد الظاهرة محصورة بصعود اليمين المتطرف في شرق ألمانيا، بل باتت تشمل أيضًا انتقال شرائح واسعة، وخصوصًا من الشباب في برلين، نحو اليسار، في مؤشر على تراجع جاذبية أحزاب الوسط التقليدية. وأثارت نتيجة ساكسونيا-أنهالت خصوصًا صدمة داخل حزب المستشار فريدريش ميرتس، الذي أقر بعد الانتخابات بحجم الضربة التي تلقاها الاتحاد الديمقراطي المسيحي. وقال ميرتس إنه "مصدوم بشدة" من النتيجة، معتبرًا أنها تمثل واحدة من أقسى الهزائم التي تعرض لها حزبه خلال السنوات الأخيرة، ومشيرًا إلى أن شخصه كان أيضًا موضوعًا دائمًا في الحملة الانتخابية. ورغم ذلك، تمسك ميرتس بمساره، قائلًا إن "بلادنا تحتاج إلى إصلاحات جوهرية"، ومؤكدًا ضرورة تحسين طريقة مخاطبة الناخبين والوصول بصورة أكبر إلى مخاوفهم ومشاعرهم. وتضع هذه النتائج ألمانيا أمام مشهد غير مألوف، حيث يتراجع الوسط تحت ضغط قوتين تتحركان في اتجاهين متعاكسين، فيما يتحول السؤال من مجرد هوية الفائز في كل ولاية إلى ما إذا كانت التحولات الجارية تعيد رسم التوازن السياسي الألماني نفسه.