تجد بغداد نفسها أمام واحد من أكثر اختبارات التوازن حساسية بين واشنطن وطهران، بعدما امتدت حملة الضغط الاقتصادي الأميركية على إيران إلى حركة الطيران، واضعة الحكومة العراقية أمام خيارين مكلفين: الالتزام بالقيود الأميركية والمجازفة بصدام داخلي مع القوى الشيعية المقرّبة من إيران، أو تجاهلها والدخول في مواجهة مع واشنطن قد تجرّ عقوبات لا يحتملها الاقتصاد العراقي. وبحسب تقرير للصحافي أرنون شفارتسمان في موقع "ماكو" الإسرائيلي، تدير الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة حملة اقتصادية ضد إيران، تهدف إلى "خنق" و"تجفيف" النظام في طهران اقتصاديًا ومصادر تمويله، في محاولة لتحقيق اختراق في الوضع القائم منذ اندلاع الحرب في شباط الماضي، ولا سيما بعد إغلاق مضيق هرمز وما ترتب عليه من تداعيات اقتصادية. وفي موازاة الضغوط الاقتصادية، أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال"، صباح الاثنين، بأن الدول الوسيطة تضغط على طهران لتقديم تنازلات في مفاوضاتها مع الأميركيين، بما في ذلك في الملف النووي، في محاولة لإحياء مسار التفاوض. وبحسب التقرير، نقلت طهران رسالة مفادها أنها تريد ضمانة بعدم تعرضها لهجوم إسرائيلي، مقابل تقديم تنازلات من جانبها. وفي قلب هذه المواجهة، برز العراق، الجار المباشر لإيران والحليف الذي يحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات مع الإدارة الأميركية، كطرف عالق بين الجانبين، بعد القرار المتعلق بمنع شركات الطيران الإيرانية من العمل في مطاراته. ونقلت صحيفة "الشرق الأوسط" عن مصادر أن الحكومة في بغداد أبلغت بأنها ستلتزم بالقرار الأميركي، فيما تعارض جهات داخل "الإطار التنسيقي" الشيعي الالتزام الكامل به. وقال مصدر سياسي مطلع للصحيفة: "العراق الآن بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني"، موضحًا أن رفض تطبيق الحظر قد يؤدي إلى عقوبات لا يستطيع العراق تحمّلها، خصوصًا في ظل الاتصالات التي يجريها رئيس الوزراء علي الزيدي مع الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب. وبحسب مصدر حكومي، تلقت بغداد تحذيرًا أميركيًا وصف بأنه "جدي ومباشر"، يقضي بعدم استقبال شركات الطيران الإيرانية في المطارات العراقية، فيما طلبت الحكومة من واشنطن استثناء بعض المطارات من القرار، بينها مطار النجف، لأسباب إنسانية. وكان العراق قد علّق بالفعل الرحلات الإيرانية إلى مطار بغداد بعدما هددت واشنطن بفرض عقوبات على أي مطار يقدم خدمات لشركات الطيران الإيرانية المشمولة بالعقوبات. وأبلغ الأميركيون الحكومة العراقية أن العقوبات لن تقتصر على شركات الطيران الإيرانية المستهدفة، بل قد تشمل أيضًا أي جهة أو مطار يوفر لها خدمات أو يسهّل تشغيل رحلاتها، بما في ذلك خدمات الهبوط والمناولة الأرضية والتزود بالوقود وغيرها من الخدمات المرتبطة بالطيران. وهذا يعني، بالنسبة إلى الحكومة العراقية، أن عليها الاختيار بين مواصلة وقف الرحلات أو تعريض المطارات وقطاع الطيران والجهات العاملة فيه لعقوبات أميركية. وشدد المصدر الحكومي على أن القرار لا ينبع من موقف سياسي عراقي تجاه حركة الطيران مع إيران، بل من المخاطر القانونية والاقتصادية الناجمة عن خرق العقوبات الأميركية. ويأتي هذا المأزق فيما يعاني العراق أصلًا من ضغوط اقتصادية متزايدة. ووفق التقرير، ارتفع سعر الدولار بصورة حادة في الأسواق المحلية، ما انعكس على الحياة اليومية، في وقت تواجه فيه بغداد صعوبة في تصدير كامل إنتاجها النفطي عبر مضيق هرمز، بعدما رفضت طهران منحها استثناءً. وأفاد التقرير بأن هذه الأزمة أدت إلى تأخير دفع رواتب نحو 8 ملايين موظف ومتقاعد، ما يزيد من حساسية أي مواجهة اقتصادية إضافية مع الولايات المتحدة. وفي مواجهة هذا الواقع، تحاول قوى داخل "الإطار التنسيقي"، بحسب التقرير، تفادي الدخول في مواجهة مباشرة مع القرار الأميركي، مع دعم جهود الزيدي للحصول على استثناء ولو جزئيًا، وخصوصًا لمطار النجف. وأكدت مصادر "الشرق الأوسط" أن قيادات في الإطار تسعى إلى إيجاد صيغة وسط لا تصل إلى تحدي واشنطن بصورة كاملة ولا تقطع في المقابل الصلات مع إيران. لكن التوتر مع الولايات المتحدة لا يقتصر على ملف الطيران. فمع اقتراب 30 أيلول، الموعد المحدد لإنهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي في العراق، يتعرض مسار "حصر السلاح بيد الدولة" لضغوط متزايدة، بعدما رفضت عدة فصائل مسلحة الالتزام بالجدول الزمني الذي حددته الحكومة. وكانت بغداد قد منحت الجماعات المقرّبة من إيران مهلة حتى 30 أيلول لتسليم سلاحها إلى الدولة. وبحسب تقارير عراقية، تراجعت قوة الدفع خلف هذا المسار مع استمرار رفض عدد من الفصائل التخلي عن سلاحها، في وقت تكثف واشنطن ضغوطها على بغداد للوفاء بالتزاماتها. وقال أستاذ العلوم السياسية الدكتور طالب محمد كريم إن "الحكومة العراقية تبدو مصممة بوضوح على استكمال مبدأ احتكار القوة بيد الدولة،