في الضاحية الجنوبية لبيروت، لم تبدأ ذكرى اغتيال السيد حسن نصرالله من المنصة في بئر حسن. منذ ساعات الظهر، كانت الطرق المؤدية إلى مكان المهرجان المركزي تشهد حركة متزايدة، فيما انتشرت الصور والرايات على جوانب الطرق، ووصل مشاركون من مناطق مختلفة، بعضهم سيراً بعدما تعذر الوصول بالسيارات إلى محيط مكان الاحتفال. بعد عامين على 27 أيلول 2024، بدت المناسبة موزعة بين ما يجري في الشوارع وما سيعرض على المنصة: حركة المشاركين، صور الشهداء، المحال التي فتحت أبوابها، وأبنية لا تزال تحمل آثار الحرب، وصولاً إلى شاشة كبيرة أعادت عرض أرشيف نصرالله وخطاباته. مع ارتفاع أعداد المشاركين، ترك عدد من القادمين سياراتهم في مناطق بعيدة عن بئر حسن، وأكملوا طريقهم سيراً. من بين هؤلاء، شبان قدموا من منطقة البسطة، حاملين رايات وصوراً لنصرالله. وعلى الطريق نفسه، ظهر مشاركون يحملون العلم اللبناني، فيما انتشرت صور الشهداء إلى جانب صور الأمين العام السابق لـِ «حزب الله». لم يكن الوصول إلى مكان الاحتفال سهلاً. الحواجز والإجراءات الأمنية فرضت مسارات محددة على حركة المشاركين، فيما تركزت أعداد كبيرة عند المداخل المؤدية إلى بئر حسن. الحضور لم يقتصر على سكان الضاحية وبيروت. من الجنوب، وصل مشاركون إلى المهرجان المركزي، رغم إقامة فعاليات في عدد من البلدات الجنوبية. من حارة صيدا، حضرت فاطمة إلى بئر حسن. وتحدثت عن قرارها بالمشاركة في المناسبة في العاصمة، فيما وصل آخرون بعد ساعات من السفر من مناطق جنوبية مختلفة. على الطرق المؤدية إلى مكان الاحتفال، اختلط القادمون من المناطق المختلفة، فيما كان واضحاً حضور الصور والرايات الخاصة بالمناسبة. إلى جانب صور نصرالله، حمل مشاركون صور أقارب وأبناء قضوا خلال الحرب. بين الحاضرين، أمهات حملن صور أبنائهن، فيما وضعت إحداهن صورة ابنها على صدرها. وقالت إنها ستتوجه بعد عودتها إلى الجنوب إلى المكان الذي قضى فيه، لجمع كمية من ترابه والاحتفاظ بها إلى جانب صورته. تفاصيل من هذا النوع كانت حاضرة بين الحشود، بعيداً عن المنصة والخطابات، مع تحوّل صور الشهداء إلى جزء من المشهد العام للمناسبة. في الشوارع المحيطة، لم تتوقف الحركة التجارية بالكامل. بعض المحال بقيت مفتوحة، فيما وزع أصحاب متاجر المياه والعصائر على المشاركين. أبو عباس، صاحب أحد المتاجر، كان من بين الذين تولوا توزيع المياه. يقول إنه أصيب في القصف الذي استهدف حي السلم في 8 نيسان الماضي، وفقد أقارب ورفاقاً. وخلال اليوم، بقي في متجره يوزع المياه على المارة. وفي الوقت نفسه، استمرت حركة السيارات والمشاة في الشوارع، بالتوازي مع وصول المشاركين إلى بئر حسن. المناسبة، بذلك، لم توقف الحياة اليومية في المنطقة، بل تداخلت معها: متجر مفتوح، حركة سير، ومشاركون يتجهون إلى المهرجان في الوقت نفسه. في بئر العبد وحارة حريك، يظهر الفارق بين الضاحية اليوم وما كانت عليه بعد الحرب. أبنية وواجهات أعيد ترميمها، فيما لا تزال أبنية أخرى متضررة أو قيد إعادة البناء. وفي الشوارع، لم تقتصر الصور المرفوعة على صور الشهداء. كست صور حسن نصرالله وصفي الدين عدداً من الواجهات، إلى جانب صور آخرين ممن استشهدوا خلال الحرب. وفي بعض الشوارع، يستعيد السكان مواقع الغارات من خلال تحديد الأماكن التي كانت فيها أبنية أو محال قبل تعرضها للقصف. إعادة الإعمار "لمن استطاع إليها سبيلا" غيّرت جزءاً من المشهد، لكنها لم توحّد صورته. فإلى جانب الأبنية التي استعادت نشاطها، لا تزال آثار الدمار ظاهرة في مناطق أخرى. وهنا تبدو الذكرى مرتبطة بالمكان بقدر ارتباطها بالحدث نفسه. فبعد عامين، لا تُستعاد المرحلة السابقة عبر الصور والأرشيف فقط، بل من خلال مبانٍ وشوارع تغيّر شكلها، وأماكن لا يزال سكانها يحددونها باعتبارها مواقع سابقة للغارات. الشاشة الكبيرة تستعيد أرشيف نصرالله مع بدء المهرجان المركزي في بئر حسن، انتقل جزء من المشهد إلى المنصة. على الشاشة الكبيرة الموضوعة في وسطها، عُرض فيديو تضمن مقتطفات من كلمات نصرالله ومشاهد لعمليات عسكرية نفذها «حزب الله» خلال السنوات الماضية. وتوقف الفيديو عند عدد من خطاباته الموجهة إلى الجيل الجديد، إلى جانب مشاهد أرشيفية تعود إلى مراحل مختلفة من السنوات الماضية. تابع الحاضرون العرض من أمام المنصة. وظهر التأثر على عدد من المشاركين، وبينهم شبان وكبار في السن، فيما بكى بعض الحاضرين خلال عرض بعض المقاطع. كان المشهد مختلفاً بين شخص وآخر: البعض تابع الشاشة بصمت، فيما تفاعل آخرون مع الكلمات والصور التي يعرفونها من سنوات سابقة. الصور القديمة لنصرالله لم تكن حاضرة فقط على المنصة. انتشرت أيضاً في الشوارع وعلى الرايات وفي هواتف المشاركين. في المكان نفسه، يمكن مشاهدة أشخاص عايشوا سنوات طويلة من مسيرة نصرالله إلى