مع اقتراب فصل الشتاء، تجد عائلات سورية نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين التدفئة، في وقت ارتفعت فيه أسعار المازوت والحطب وقشور المكسرات، بينما لم تعد الكهرباء خياراً بسيطاً بالنسبة إلى الأسر التي تحتاج إلى تشغيل المدافئ لساعات طويلة. ومع تراجع القدرة الشرائية، تتحول التدفئة من حاجة أساسية إلى عبء يفرض على العائلات إعادة ترتيب أولوياتها، والمفاضلة بين الدفء والغذاء والدواء وسائر الحاجات اليومية. وأصبح سعر ليتر المازوت المتداول 175 ليرة سورية جديدة؛ أي نحو 1.27 دولار وفق سعر صرف 138 ليرة سورية جديدة للدولار. وبذلك تحتاج الأسرة التي تستهلك 600 ليتر خلال الشتاء إلى نحو 105 آلاف ليرة سورية، أي قرابة 760.87 دولاراً، فيما ترتفع كلفة 1000 ليتر إلى 175 ألف ليرة، أي نحو 1268.12 دولاراً. وتزداد الكلفة إلى 262 ألفاً و500 ليرة، أي نحو 1902.17 دولار، عند استهلاك 1500 ليتر، وإلى 350 ألف ليرة؛ أي نحو 2536.23 دولاراً، عند استهلاك 2000 ليتر. وتشير هذه الحسابات إلى حجم العبء الذي يمكن أن تواجهه الأسر في المناطق الباردة، خصوصاً أن الكلفة لا تتوقف عند ثمن الوقود، بل تضاف إليها تكاليف النقل والصيانة، فضلاً عن تفاوت الأسعار وفق المنطقة وطريقة الحصول على المادة. وتقول منيرة داود، مدرّسة رياضيات من ريف دمشق، لـِ "المدن"، إن عائلتها كانت تستهلك في السنوات الماضية برميلين أو أكثر من المازوت خلال الشتاء، لكنها اليوم لم تعد قادرة على تأمين الكمية نفسها، بل بات شراء بضعة ليترات يمثل عبئاً على ميزانية الأسرة. وتطالب بخفض أسعار المحروقات بما يتناسب مع قدرة الناس على تحمل تكاليف المعيشة. أما إبراهيم الخطاب، عامل بناء، فيقول لـِ "المدن" إن سعر البرميل أصبح يقترب من أربعة ملايين ليرة سورية، وهو مبلغ يصعب على أسرته تحمله، مضيفاً أنه لا يرى أن تشغيل مدفأة المازوت سيكون خياراً واقعياً هذا الشتاء، وأن العائلة ستعتمد على الأغطية وتقليل استخدام وسائل التدفئة قدر الإمكان. التدفئة ليست بنداً منفصلاً عن المعيشة ولا تأتي أزمة التدفئة في وقت تملك فيه الأسر قدرة مالية تسمح بامتصاص هذه الزيادة، بل تتزامن مع ارتفاع تكاليف الغذاء والنقل والدواء وسائر الحاجات. ولذلك فإن أي ارتفاع إضافي في كلفة التدفئة يعني، بالنسبة إلى كثير من الأسر، اقتطاع جزء من الإنفاق المخصّص لبنود أساسية أخرى. في هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور فادي العياش، في تصريح لـِ "المدن"، إن ارتفاع أسعار الوقود في سوريا في هذه المرحلة يزيد من حدة الأزمة المعيشية مع اقتراب فصل الشتاء، موضحاً أن التأثير المباشر يظهر أولاً في ارتفاع تكلفة التدفئة، ولا سيما في حال كانت مخصّصات التدفئة المدعومة محدودة. ويضيف العياش أن الأسر التي لا تحصل على الكميات التي تحتاج إليها من المازوت ستضطر إلى اللجوء إلى السوق الموازية، حيث ترتفع الأسعار تلقائياً، فضلاً عن تكاليف صيانة المدافئ والنقل، وهذا ما يجعل العبء المالي الإضافي أكبر من قدرة الأسرة السورية المتوسطة على التحمل، ويدفع بعض العائلات إلى تقليص إنفاقها على الغذاء أو الصحة، أو إلى الاكتفاء بتدفئة غرفة واحدة أو تشغيل المدفأة لعدد محدود من الساعات. ويقدّر العياش حاجة الأسرة إلى المازوت خلال موسم الشتاء بنحو 600 إلى 1000 لتر في المناطق الساحلية والمناطق الداخلية الأقل ارتفاعاً، مثل دمشق وحلب واللاذقية، بينما قد ترتفع الحاجة في المناطق الجبلية والمرتفعات، مثل ريف دمشق والسويداء والجبال الساحلية، إلى ما بين 1500 و2000 لتر خلال الموسم. ويشير إلى أن ارتفاع كلفة المازوت يدفع الأسر إلى البحث عن بدائل، مثل الحطب والفحم ومخلفات البلاستيك والملابس القديمة، محذراً من أن هذه البدائل ترفع بدورها أسعار الحطب وتشجع على القطع الجائر للأشجار، إضافة إلى المخاطر الصحية الناتجة عن استنشاق الأبخرة السامة، وارتفاع احتمال الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي واندلاع الحرائق المنزلية. ولا يتوقف تأثير ارتفاع أسعار الوقود عند حدود التدفئة، وفق العياش، إذ تنعكس زيادة أسعار المحروقات على تكاليف النقل والشحن والإنتاج الزراعي والصناعي نتيجة ارتفاع كلفة تشغيل الآليات والمولدات، وهو الأمر الذي يمكن أن يزيد من الضغوط التضخمية ويعمق الفقر ويؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر. ومع ارتفاع كلفة المازوت والحطب، تبدو الكهرباء بالنسبة إلى بعض الأسر بديلاً ممكناً، لكن أرقام وزارة الطاقة تكشف أن كمية الاستهلاك المدعومة صُممت أساساً لتلبية الاحتياجات المنزلية الأساسية، وليس لتشغيل المدافئ الكهربائية لساعات طويلة. فقد أوضح وزير الطاقة محمد البشير أمام مجلس الشعب أن الوزارة تعتمد شريحة مدعومة للاستهلاك المنزلي بواقع 150 كيلوواط ساعي شهرياً، وذكر أن هذه الكمية تكفي للاستخدامات الأساسية، ولا سيما الإنارة، فيما تب