كان هذا عنوان أول نصّ خرج إلى النور بإمضائي، قبل نحو عام ونصف عام، وذلك قبل ثلاثة أيام فقط من تولّي نوّاف سلام رئاسة الحكومة اللبنانية.كان يومها سؤالاً أكثر منه موقفاً، وقلقاً أكثر منه يقيناً!هل يستطيع رجل يحمل اسم "سلام" أن يصنع من السلام مشروع دولة، في وطنٍ اعتاد أن يدفع ثمن الحروب وأن يعيش على حافة التسويات؟وكتبتُ يومها، نوّاف سلام، إن كان لاسمه نصيب، فـ"نوّاف" يدلّ على العُلوّ والإرتفاع، و"سلام" يوحي الهدوء والإستقرار. لكنّ الأسماء وحدها لا تصنع الأقدار، بل الأفعال والمواقف.واليوم، وأنا أعود إلى تلك الكلمات، أشعر أنني لم أكن أكتب عن اسم رجلٍ بقدر ما كنت أكتب عن امتحان وطن.فالأسماء لا تصنع أصحابها، صحيح. لكن بعض الرجال يمضي في حياته وكأنّ اسمه يحمل له شيئاً من الطريق. كان على الرجل أن يعبر أصعب الطرق اللبنانية، طريق الدولة، والسيادة، والقرار الوطني، وسط وطن أنهكته الحروب، وأتعبته الإنقسامات، وأرهقته فكرة أن يكون دائماً ساحةً لصراعات الآخرين.وحين كتبتُ عن "المطرقة"، لم أكن أقصد مطرقة القضاء وحدها. كنت أقصد صورة العدالة حين تصطدم بجدارٍ من المصالح، ومؤسساتٍ أُضعِفت، وثقة عامة تآكلت، ونظام سياسي اعتاد اللبنانيون أن يروا فيه القانون قويّاً على الضّعفاء، ضعيفاً أمام الأقوياء.من كان يطرق بمطرقة العدل، لا يندثر تحت ضرباتها إلا إذا كان العدل في أرض ترفضه. والمطرقة، إن لم تجد جداراً قابلاً للكسر، قد تعود على يد حاملها.لكن لبنان ليس جداراً واحداً.لبنان جدران كثيرة، جدران من الخوف، من الطائفية، من المصالح، من السلاح، من الفساد، من الوصايات، من الذاكرة الثقيلة، وجدران من اليأس الذي جعل اللبناني يعتقد أنّ لا شيء يمكن أن يتغيّر.ولذلك، لم يكن السؤال يومها، هل نوّاف سلام رجل مناسب؟ بل كان السؤال الأصعب، هل يستطيع رجل أن يبقى وفيّاً لما يؤمن به عندما يدخل إلى دولةٍ كل شيء فيها يختبر قدرته على التراجع؟اليوم، وبعد عام ونصف عام، يبدو بعض الإجابات أكثر وضوحاً، ليس لأن الطريق انتهى، بل لأنه بدأ يأخذ اتجاهاً يمكن قراءته.في مواقفه الأخيرة أمام الجمعيّة العامّة للأُمم المتّحدة في نيويورك، عاد سلام إلى الفكرة التي تشكّل جوهر مشروع الدولة، معالجة تداعيات الحرب، إعادة الإعمار، إحترام سيادة لبنان، وقف الحرب وتثبيت وقف إطلاق النار، إنسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية وفق الحدود الدولية واتفاق الهدنة لعام 1949 والقرار 1701. كما شدّد أن تكون الدولة صاحبة السلطة على كامل أراضيها، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد مؤسّساتها، وأن يكون الجيش والقوى الشرعيّة وحدهما مسؤولين عن أمن اللبنانيين. وقد قال بوضوح أمام العالم أجمع، أنّ مستقبل لبنان لا يُقرَّر نيابة عنه وأن أمنه ليس ثمناً في تسويات تُعقَد في غيابه.هذه ليست دعوة عابرة، ففي لبنان، بعض الجمل لا يقاس بعدد كلماتها، بل بحجم التاريخ الذي تقف في وجهه. والسيادة، في بلدٍ عانى طويلاً من الحروب والإحتلالات والتدخلات، ليست مصطلحاً في خطاب سياسي، هي أن يعرف المواطن اللبناني، للمرة الأولى منذ زمن طويل، أن قرار حياته ومصيره وحربه وسلامه لا يُتَّخذ في مكانٍ آخر.أن يكون الجنوب لبنانياً، لا ساحةً لأحد.أن يكون البقاع لبنانياً، لا ممراً لصراعات الآخرين.أن تكون بيروت عاصمة دولة، لا صندوق بريد للرسائل الإقليمية.وأن يكون الجيش اللبناني، وحده، عنوان الحماية والقرار.لكن ما يلفتني في قصة نواف سلام ليس ما يقوله فحسب، بل المسافة بين الرجل الذي كان قاضياً في أعلى مؤسّسة قضائية دولية، والرجل الذي وجد نفسه في بلدٍ يحتاج فيه مفهوم الدولة نفسه إلى إعادة بناء.هناك، في المحكمة الدولية، تكون النصوص هي المرجع. أما هنا، فالنص وحده لا يكفي. هنا عليك أن تقاتل من أجل أن يصبح النص واقعاً.هنا العدالة تحتاج إلى دولة تحميها.والدولة تحتاج إلى مؤسسات تحميها. والمؤسسات تحتاج إلى ثقة الناس.والناس، بعد سنوات طوال من الإنكسارات، تحتاج إلى سبب جديد كي تصدّق.لستُ من الذين يعتقدون أن رجلاً واحداً يستطيع إنقاذ لبنان، ولا أعتقد أن رئيس حكومة، مهما كانت نيّاته أو خبرته أو موقعه، قادر وحده على إزالة كل الجدران التي بنيت خلال عقود.لبنان أكبر من الأشخاص، وأعقد من الحكومات، وأعمق من الأزمات السياسية اليومية.لكن لبنان، في المقابل، يحتاج إلى أشخاص يعرفون أن الدولة ليست شعاراً، وأن السيادة ليست كلمة للإستهلاك، وأن الإصلاح ليس صورةً أمام الكاميرات.يحتاج إلى من يضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة.ويحتاج، قبل كل شيء، إلى من يرفض أن يكون لبنان ورقةً في يد أحد.وهنا تحديداً، تبدو مواقف سلام الأخيرة امتداداً لمسارٍ أعلنته حكومته منذ بداية ولايتها، الدولة اللبنانية وحدها تفاوض باسم لبنان، وقرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيدها، مع التمسك بسيادة لبنان وسلامة أراضيه.وقد يك