في وقت تتزايد فيه ضغوط تكاليف المعيشة، تتسع قاعدة العاملين عبر تطبيقات النقل في مصر لتشمل شرائح من أصحاب المؤهلات الجامعية والخبرات المهنية، نتيجة تنوع دوافع الانضمام إلى هذا النشاط، بين الاعتماد عليه كمصدر رئيسي للدخل أو استخدامه لتعزيز الدخل إلى جانب وظيفة أو نشاط آخر. وتكشف بيانات شركة "ديدي"، إحدى شركات النقل الذكي العاملة في مصر، أن 63% من سائقي السيارات عبر التطبيق من ذوي المؤهلات العليا سواء الجامعية أو أعلى، فيما تتجاوز أعمار 55% من السائقين 35 عاماً ما يشير بوضوح إلى سيطرة أصحاب الخبرات المهنية. ويبلغ متوسط عدد السائقين النشطين على منصة "ديدي" في مصر نحو 200 ألف سائق، يعملون عبر التطبيق في 10 محافظات مصرية، بحسب الشركة. ولا يقتصر العمل عبر التطبيقات على نموذج واحد، إذ يعتمد 45% من سائقي السيارات على "ديدي" كمصدر رئيسي للدخل، بينما ترتفع النسبة إلى 50% بين سائقي الدراجات النارية. وفي المقابل، يستخدم سائقون آخرون المنصة كمصدر دخل إضافي يمكن دمجه مع وظيفة أو نشاط آخر، ليجمع العمل عبر التطبيقات بين الاعتماد عليه كمصدر رئيسي للدخل واستخدامه لتعزيز الدخل إلى جانب نشاط آخر. وتتصدر مرونة العمل دوافع الانضمام إلى هذا النشاط باعتبارها أحد أبرز عوامل جذب السائقين، إذ يعتبر 87% منهم مرونة ساعات العمل السبب الأول للانضمام إلى "ديدي"، فيما يتمتع 64% بحرية اختيار أوقات العمل. وبحسب بيانات الشركة، أكد 85% من السائقين زيادة دخلهم بعد الانضمام إلى العمل مع "ديدي"، بينما يستخدم 63% منهم المنصة لمدة 12 ساعة أو أقل أسبوعياً. وتنعكس مرونة العمل أيضاً على تقييم السائقين للتجربة، إذ يرى 65% منهم أن العمل عبر "ديدي" يوفر توازناً جيداً أو جيداً جداً بين العمل والحياة الشخصية. وتكشف التركيبة التعليمية والعمرية للسائقين عن حضور لافت لشرائح قد لا ترتبط بالصورة التقليدية للعمل في خدمات النقل، إذ يحمل 63% من سائقي السيارات مؤهلاً جامعياً أو أعلى، فيما تتجاوز أعمار 55% منهم 35 عاماً. وتشير هذه التركيبة إلى اتساع قاعدة العاملين عبر التطبيقات لتشمل أصحاب وظائف وخبرات مهنية، إلى جانب من يعتمدون عليها كمصدر دخل رئيسي، بما يجعل المرونة وإمكانية الجمع بين أكثر من مصدر للدخل من العوامل المؤثرة في اختيار هذا النشاط. ضغوط المعيشة تعيد تشكيل سوق العمل ويرى أستاذ التمويل والاستثمار مصطفى بدرة أن توسع العمل عبر تطبيقات النقل الذكي في مصر يعكس ضغوط المعيشة التي تدفع المواطنين إلى البحث عن مصادر إضافية للدخل، مشيراً إلى أن هذه التطبيقات فتحت مجالاً واسعاً للتشغيل داخل السوق المصرية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وقال بدرة لـ"العربية Business" إن بعض العاملين يلجأون إلى تطبيقات مثل "أوبر" و"ديدي" و"إن درايف" كعمل إضافي إلى جانب وظائفهم الأساسية لتحسين مستوى دخلهم، بينما يعتمد آخرون عليها كمصدر رئيسي للدخل، معتبراً أن ذلك يعكس تغيراً في طبيعة سوق العمل ويفتح مجالاً أوسع أمام العمالة. وبحسب بدرة، فإن هذا النمط من العمل يمثل، بالنسبة للعاملين، جزءا من الاقتصاد الموازي، في ظل عدم ارتباط كثير منهم بملفات تأمينية أو ضريبية، رغم خضوع شركات التطبيقات نفسها للمنظومة الرسمية كشركات عاملة في السوق. بدرة يرى أن الظاهرة لا تقتصر على سائقي النقل الذكي، وإنما تمتد إلى العاملين في خدمات التوصيل والمندوبين وغيرهم ممن يجمعون بين وظيفة أساسية وعمل إضافي عبر التطبيقات، لافتاً إلى أن تغير طبيعة سوق العمل أدى إلى انتشار أنماط جديدة من العمل خارج الوظائف التقليدية. "العمل عبر تطبيقات النقل لم يعد نشاطاً يقتصر على الباحثين عن فرصة عمل، وإنما أصبح خياراً يلجأ إليه أصحاب الوظائف والمهن المختلفة لزيادة دخولهم، فيما قد يدفع مستوى العائد بعض العاملين إلى الاعتماد عليه بصورة أكبر والعمل لساعات أطول"، وفقا لبدرة. المساهمة في النشاط الاقتصادي ولا يقتصر أثر توسع العمل عبر التطبيقات على توفير مصادر دخل للسائقين، إذ يمتد إلى النشاط الاقتصادي، وفقاً لبيانات شركة "ديدي" التي قدرت مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي لمصر خلال عام 2025 بنحو 0.112%، بينما تصل مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي للقاهرة الكبرى إلى 0.233%. وتشير هذه البيانات إلى أن توسع العمل عبر تطبيقات النقل لا يغير فقط من مصادر دخل العاملين، وإنما يرتبط أيضاً بنشاط اقتصادي أوسع ناتج عن حركة السائقين والإنفاق المرتبط بهذا القطاع، في ظل تغير تدريجي في أنماط العمل ومصادر الدخل داخل السوق المصرية.