لم تعد الغارات الإسرائيلية الأخيرة على منطقة سجود تُقرأ كحادثة عسكرية منفصلة. فالتوصيفات التي رافقتها، وحركة الاستطلاع المتصاعدة، والحديث عن منشآت تحت الأرض في جبل الريحان وإقليم التفاح، تثير أسئلة جدية حول انتقال العمليات الإسرائيلية تدريجياً من الشريط الحدودي إلى عمق جغرافي جديد في الجنوب. لكن أول ما يستدعي التوقف هو التناقض في الرواية الإسرائيلية نفسها. فالجيش الإسرائيلي أعلن أنه استهدف “مستودع أسلحة” تابعاً لـ”حزب الله” في منطقة سجود، بعدما رصد داخله أسلحة قال إنها تشكل تهديداً لقواته. في المقابل، تحدثت صحيفة “معاريف” عن استهداف “مختبر إلكترونيات متطور”، من دون أن يقدم الجيش تفاصيل إضافية تؤكد طبيعة المنشأة أو المعدات التي كانت موجودة داخلها. والفرق بين المستودع والمختبر ليس تفصيلاً لغوياً. فالمستودع هدف عسكري تقليدي، أما الحديث عن مختبر إلكترونيات، فيوحي بوجود مركز يعمل على تطوير وسائل اتصال أو توجيه أو تشويش أو تجهيز طائرات مسيّرة وعبوات دقيقة. وهذا التوصيف يتيح لإسرائيل رفع مستوى الخطر المرتبط بالهدف، وتقديم الضربة على أنها عملية استباقية ضد قدرة نوعية، لا مجرد قصف لمخزن سلاح. وبحسب الرواية التي روّجتها “معاريف”، يراقب الجيش الإسرائيلي المنطقة الواقعة شمال ما يُسمى “الخط الأصفر” منذ تدمير البنى التحتية في مرتفعات علي الطاهر، ويرصد محاولات لإعادة تنظيم انتشار “حزب الله”. إلا أن الصحيفة نفسها أقرت بعدم وضوح ما إذا كان الحزب يبني خطاً دفاعياً جديداً، أو يستعد لحرب عصابات هجومية ضد القوات الإسرائيلية. هنا تظهر وظيفة التسريبات الإسرائيلية: وضع أكثر من احتمال أمام الرأي العام، ثم التعامل مع جميع الاحتمالات وكأنها تهديد قائم. فإذا كانت المنطقة خطاً دفاعياً، تُطرح ضرورة ضربه قبل اكتماله. وإذا كانت معدّة لعمليات هجومية، تصبح الضربة “وقائية”. وفي الحالتين، يُمنح الجيش هامشاً واسعاً للتحرك من دون كشف المعلومات الاستخباراتية التي يستند إليها. أما التحول الأخطر، فيتمثل في ربط سجود وجبل الريحان وإقليم التفاح بمنشأة “عماد 4”. وهذه المنشأة، التي كشف “حزب الله” عنها إعلامياً في آب 2024، ظهرت كمجمع أنفاق واسع قادر على استيعاب شاحنات ودراجات ومنصات عسكرية. لكن لا توجد حتى الآن معلومات علنية حاسمة تثبت موقعها الدقيق أو تربطها مباشرة بالهدف الذي ضُرب في سجود. مع ذلك، بدأت تقارير لبنانية وإسرائيلية تتداول احتمال أن تكون المنشأة، أو أجزاء من شبكة مشابهة، موجودة ضمن المنطقة الممتدة بين البقاع الغربي وجبل الريحان وإقليم التفاح. كما جرى الحديث عن رغبة إسرائيلية سابقة في تفكيك هذه المنشآت وإدخالها ضمن أي ترتيبات أمنية مقبلة. إلا أن هذه المعطيات تبقى في إطار التقديرات والتسريبات، لا الوقائع المثبتة. وإثارة اسم “عماد 4” تؤدي وظيفة تتجاوز المنشأة نفسها. فهي تعيد استحضار صورة شبكة عسكرية مخفية تحت الجبال، وتسمح لإسرائيل بتوسيع تعريف الهدف من مستودع محدد إلى منطقة جغرافية كاملة. وبهذه الطريقة، قد يتحول كل طريق جبلي أو ورشة أو نفق أو مبنى معزول إلى جزء محتمل من “منظومة تحت الأرض”، وبالتالي إلى هدف قابل للضرب. أما تكثيف الطلعات المسيّرة وعمليات الرصد، فلا يمكن فصله عن هذا المسار. فمرحلة بناء بنك الأهداف تبدأ عادة بجمع المعلومات، ثم تسريب جزء منها إلى الإعلام، وبعدها تثبيت رواية تقول إن الطرف الآخر يعيد بناء قوته. وعند اكتمال هذه المراحل، تصبح الضربات اللاحقة متوقعة ومبررة مسبقاً أمام الجمهور الإسرائيلي. إلا أن ذلك لا يعني حكماً أن قرار الحرب الشاملة قد اتُّخذ. فقد تكون إسرائيل بصدد ممارسة ضغط عسكري متدرج يهدف إلى منع إعادة بناء أي بنية عسكرية شمال الخطوط الحالية، وإبقاء الجيش اللبناني والحكومة تحت ضغط دائم، ورفع سقف الشروط في أي مفاوضات أمنية مقبلة. وقد تكون الحملة أيضاً جزءاً من حرب نفسية واستخباراتية. فالإعلان عن مراقبة مناطق جديدة، وربطها بمنشآت ضخمة، والحديث عن خلايا صغيرة أو حرب عصابات، يدفع “حزب الله” إلى تغيير انتشاره واتصالاته، ما يمنح أجهزة الرصد الإسرائيلية فرصة لاكتشاف شبكات وأشخاص ومواقع لم تكن مكشوفة سابقاً. من سجود إلى “عماد 4”، تتشكل لائحة أهداف محتملة، لكنها لا تزال خليطاً من الوقائع والادعاءات والتقديرات. المؤكد أن إسرائيل توسع دائرة اهتمامها شمال المنطقة الحدودية، وتحاول فرض حق دائم في الضرب تحت عنوان إزالة التهديد. أما غير المؤكد، فهو طبيعة المنشآت التي ضُربت، وموقع “عماد 4”، وما إذا كانت الحملة تمهيداً لحرب واسعة أم أداة لفرض شروط سياسية وأمنية جديدة. وبين الاحتمالين، يبقى الخطر واحداً: أن يتحول الغموض الاستخباراتي نفسه إلى ذريعة، وأن تصبح كل منطقة تُذكر في تقرير إسرائيلي هدفاً ينتظر ساعة التنفيذ.