قبل أيام، ترددت معلومات عن وصول "شخصية أمنية فرنسية" إلى بيروت، بهدف إجراء لقاءات مع مسؤولين سياسيين وأمنيين. وقيل أيضاً إن المهمة تأتي في سياق استطلاع فرنسي ميداني يتصل تحديداً بمستقبل الوجود العسكري الفرنسي في جنوب لبنان ضمن إطار قوات اليونيفيل، وهي مسألة رفعتها باريس، على ما يبدو، إلى مستوى أمنها القومي. لذلك، تردد أن الموفد المفترض سعى، من ضمن مهمته، إلى فتح قنوات تواصل ولقاء شخصيات من حزب الله. طبعاً، لم يؤكد أحد المعلومة ولم ينفها. لكن، من زاوية أخرى، ليس مستبعداً أن تحصل زيارة، أو زيارات فرنسية، من هذا النوع، طالما أن الإيطاليين أنفسهم سبق أن أجروا زيارة على مستوى أرفع تمثل مدير المخابرات، للغاية نفسها. وتراجع، في أعقابها، الحماس الإيطالي للبقاء في جنوب لبنان، ولا سيما بعد الحديث عن حصول لقاء مع الحزب. عملياً، لم تحصل إيطاليا على ضمانات كافية لحماية قواتها في الجنوب في حال انتقالها للعمل ضمن صيغة وقطاعات ومهمات تختلف عن تلك التي شغلتها سابقاً تحت راية الأمم المتحدة. وهذا تحديداً ما يفسر التقدم الفرنسي، أو بالأحرى "الاستقتال" الفرنسي، من أجل البقاء في الجنوب. فرنسا تدرك، كما الآخرون، أن البقاء في جنوب لبنان من خارج قرار يصدر عن مجلس الأمن، ومن خارج راية الأمم المتحدة، مسألة محفوفة بالمخاطر. وهي تدرك أيضاً أن الإسرائيليين، وعلى الرغم من كل قنوات التواصل القائمة معهم، لا يبدون حماسة لوجود قوة فرنسية في جنوب لبنان. لكن يبقى السؤال: لماذا يتساهل حزب الله مع الفرنسيين إلى حد ربط موافقته على أي قوة دولية أو متعددة الجنسيات بوجود فرنسا ضمنها؟ خلال الفترة الماضية، سُجلت مشهديات عدة أوحت بأن الفرنسيين مستعدون لتقديم «أوراق اعتماد» للإسرائيليين، أملاً في انتزاع موافقتهم على إبقاء موطئ قدم فرنسي في الجنوب. وليس سراً أن تقارير الجيش اللبناني في الجنوب تتضمن ملاحظات متكررة حول تحركات فرنسية عُدّت التفافاً على حدود التفويض المعطى للقوة الدولية. وبحسب معلومات متقاطعة، أدّت قوة الاحتياط التابعة لقائد اليونيفيل، وهي إحدى أكثر القوات نشاطاً وإثارة للحساسية، و يرأسها جنرال فرنسي دوراً في الكشف على منازل ومنشآت سبق للمقاومة أن استخدمتها. ومؤخراً، وفي سياق محاولة تقديم نموذج عمل يطمئن الإسرائيليين إلى جدوى بقائها وتحاول عبره إنتزاع موافقتهم، عمدت القوة إلى استغلال دوريات مشتركة مع الجيش اللبناني لتنفيذ حركة تفتيش تشمل منازل محددة سلفاً، من خلال الخروج أثناء الدورية عن المسارات المتفق عليها. هذا الأمر أدى، في بلدة الغندورية قبل نحو أسبوعين تقريباً، إلى إندلاع خلاف مع ضابط لبناني مسؤول عن دورية، انتهى بترك الجيش القوة الدولية ومغادرة البلدة بعدما رفضت الإمتثال له بعدم الدخول أو تفتيش منازل المواطنين دون العودة إلى السلطات اللبنانية، قبل أن يُبلّغ الجانب الدولي تجميد دوريات المؤازرة اللبنانية مؤقتاً، إلى حين العودة إلى الالتزام بالبروتوكول المعمول به واحترام الملكيات الخاصة. وهذه الحادثة لا يمكن فصلها عن محاولات إسرائيلية أخرى لفرض أمر واقع جديد. في النبطية، مثلاً، حاولت إسرائيل فرض مقاربة مشابهة، تقوم على دفع الجيش اللبناني إلى تنفيذ عمليات تفتيش داخل المدينة ونزع السلاح منها، تحت طائلة اعتماد نموذج عسكري معتمد في كفرتبنيت والنبطية الفوقا. وفي هذا السياق جاءت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون، إلى جانب وساطة السفير الأميركي ميشال عيسى. وفي موازاة ذلك، ما تزال إسرائيل تطرح فكرة قيام الجيش اللبناني بأعمال تفتيش للمنازل على امتداد منطقة شمال الليطاني، ولا سيما في المناطق المتاخمة لما تسميه «الخط الأصفر». وقد جُمّد هذا الطرح حالياً، أو بالأحرى وُضع جانباً كورقة قابلة للاستخدام لاحقاً. ومن هنا، لا يمكن فصل السلوك الفرنسي الميداني عن محاولة باريس اقتناص أي فرصة وتوظيفها لتعزيز حظوظ بقائها في جنوب لبنان، سواء من خلال قوة مفوضة بالمراقبة، أو عبر صيغة دولية جديدة، أو تحت أي مسمى آخر. وخلال اللقاء الذي جمع الرئيس جوزاف عون بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على هامش الاجتماع الذي استضافته باريس أخيراً لدعم الجيش اللبناني، لم تُخفِ فرنسا رغبتها في الاحتفاظ بدور أساسي في ترتيبات مرحلة ما بعد اليونيفيل. وفُهم في بيروت أن باريس مستعدة للذهاب بعيداً في هذا الاتجاه، حتى لو اقتضى الأمر وجوداً فرنسياً ضمن صيغة دولية مختلفة. وربما يفسر ذلك الحراك الفرنسي المتواصل خلف الكواليس في ملف التمديد لليونيفيل أو البحث عن بدائل منها، في وقت تتعثر فيه محاولات تأمين توافق دولي على صيغة المرحلة المقبلة. وقد أظهرت التقارير الأخيرة أن باريس شجعت بيروت باتجاه تمديد مهمة اليونيفيل الحالية مدة لا تقل عن ٦ أشهر، بالتوازي مع البحث في شكل الحضور الدولي الذي يمكن أن يليها. ل