لم تكن إطلالة الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم في الذكرى الثانية لاغتيال السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين مجرد محطة تأبينية. خلف اللغة العقائدية وتعداد الشهداء، رسم قاسم ملامح مرحلة ما بعد نصرالله، وحدّد شكل المواجهة مع إسرائيل وشروط العلاقة مع الدولة، محاولاً في الوقت نفسه إعادة وصل ما انقطع مع بيئة دفعت أثماناً بشرية ومادية هائلة. الرسالة الأولى كانت أن اغتيال القيادة لم يُسقط المؤسسة. إعلان قاسم اختيار شعار “إنّا على العهد” اسماً للمرحلة التي بدأت في أيلول 2024 حوّل العبارة من شعار وفاء إلى عنوان سياسي وتنظيمي لحقبة جديدة. وحين قال إن “القيادة التي تستشهد يأتي مكانها قيادة”، كان يخاطب جمهور الحزب وإسرائيل معاً: الفراغ جرى احتواؤه، والقيادة الجديدة تستمد شرعيتها من قرار المؤسسة، فيما لم تنجح استراتيجية استهداف الرأس في إنهاء قدرة الحزب على إعادة إنتاج نفسه. لكن تعداد القادة الذين اغتيلوا ومواقعهم كشف، في المقابل، عمق الضربة التي أصابت قيادة الحرب والعمليات وقوة الرضوان وجبهة الجنوب والأركان والمعلومات والمنشآت. لذلك بدا هذا الجزء محاولة لإثبات استمرار الوظائف التنظيمية بعد فقدان أصحابها، لا إعلاناً عن استعادة الحزب كامل قدراته السابقة. أما الجديد الأهم، فكان شرح قاسم العلني لعقيدة القتال القائمة على “الكر والفر وليس الثبات في المكان”. فالمقاتلون قد يتراجعون عندما تصبح كلفة الاحتفاظ بالموقع مرتفعة، على أن يستمروا في منع إسرائيل من الاستقرار وتثبيت الاحتلال. بهذا التوصيف، أعاد قاسم تعريف معيار الانتصار. لم يعد النجاح مرتبطاً بمنع كل ضربة أو الاحتفاظ بكل موقع، بل ببقاء الحزب وقدرته على القتال ومنع إسرائيل من تحويل تقدمها إلى احتلال مستقر. إنها عقيدة استنزاف طويلة تقوم على الخلايا المتحركة والكمائن وضرب خطوط الإمداد، بدلاً من الدفاع الثابت. ومع ذلك، لم يتضمن الخطاب موعداً أو هدفاً عملياتياً محدداً، ما ينفي كونه إعلاناً عن حرب وشيكة. كان تموضعاً ردعياً يحافظ على الغموض حول القدرات والتوقيت. الرسالة الثانية كانت أكثر وضوحاً: السلاح غير مطروح للنقاش الآن، وأي حوار حوله يجب أن يأتي بعد الانسحاب الإسرائيلي وعودة الأهالي. قاسم رفض تكليف الجيش اللبناني بمهمة عجزت إسرائيل عن تحقيقها، محذراً من تحويل المؤسسة العسكرية إلى أداة لنزع سلاح الحزب. والرسالة هنا موجهة إلى قيادة الجيش والسلطة السياسية: الحزب لا يريد صداماً داخلياً، لكنه لن يقبل بمهمة تقود إليه. وفي المقابل، لم يغلق باب الحوار نهائياً. فقد أعلن استعداده لمناقشة حصرية السلاح، لكن وفق ترتيب واضح: تحرير الجنوب، عودة الأهالي، ثم تفاهم اللبنانيين. أما قوله إن قرار الحرب والسلم ليس عند الحزب ولا يريده، فلا يعني التخلي عن السلاح أو حرية استخدامه، بل الفصل بين السيادة السياسية التي يتركها نظرياً للمؤسسات، والقدرة العسكرية التي يتمسك بها تحت عنوان مواجهة الاحتلال. وفي ملف التفاوض، هاجم قاسم “اتفاق الإطار” والمفاوضات المباشرة، متهماً السلطة بالتنازل عن أوراق القوة من دون مقابل. لكنه لم يرفض التفاوض، بل طالب بتجميد المسار المباشر والعودة إلى المفاوضات غير المباشرة. فالحزب لا يسعى إلى إسقاط التفاوض بالكامل، بل إلى تعديل شكله ومرجعيته، مع الإبقاء على السلاح والصمود ورقتي قوة. كما يرفض أن تحتكر الرئاسة والحكومة تمثيل لبنان تفاوضياً من دون احتساب موقفه. وحاول قاسم أيضاً حسم هوية صاحب أي إنجاز مسبقاً، مؤكداً أن الانسحاب الإسرائيلي المحتمل لن يكون نتيجة المفاوضات، بل نتيجة المقاومة وصمود جمهورها. وبذلك، بات الصراع يدور أيضاً حول الجهة التي ستسجّل الانسحاب في رصيدها: الرئاسة ومسارها التفاوضي، أم الحزب وسلاحه؟ وعلى الرغم من هجومه، ترك قاسم مخرجاً سياسياً. فقد أقر بحق رئيس الجمهورية في التفاوض، وطالبه بأن يكون “حكماً وجامعاً”، معلناً استعداد الحزب للحوار. لكن هذا الحوار يبقى مشروطاً بتجميد المسار المباشر، وعدم استخدام الجيش في مواجهة الحزب، وربط السلاح بالانسحاب وعودة السكان. الرسالة الثالثة توجّهت إلى البيئة التي تحملت القتل والنزوح وخسارة المنازل، وبدأت تطالب بالإعمار والتعويض والعودة. وهنا بدا أن الحزب يدرك أن شرعيته العسكرية لم تعد كافية، وأن الحفاظ على حاضنته يحتاج إلى أجوبة عملية. لذلك أعلن قاسم مساهمة الحزب في الإيواء والترميم والإعمار، وكشف عن مشروع مرتقب يعتمد على إمكاناته والتبرعات ومساعدة الدول والمنظمات. وهذه الخطوة ليست اجتماعية فقط، بل محاولة لترميم العلاقة مع الجمهور وإقناعه بأنه لن يُترك وحيداً بعد الحرب. وفي الوقت نفسه، حمّل الدولة المسؤولية الأساسية عن تأخير الإعمار والتعويض، ووسّع هجومه ليشمل الاقتصاد والكهرباء والخدمات وأموال المودعين والسياسة الخ