"تتجلّى أهميّة التربية في كونها المقياس الحقيقيّ لمدى صدق حبّنا العالم، ومدى استعدادنا للنهوض بتبعات حمايته وصونه" (حنّة آرندت). لا يكفي أن تنقل المؤسّسة التعليميّة المعرفة فحسب، ذلك أنّها تحمل في ذاتها رؤية معيّنة للعالم. لذا، فهي مدعوّة إلى تجاوز دورها كوسيلة للتعليم، لتصبح من خلال طريقة عملها وأخلاقيّاتها نموذجًا حيًّا للتعليم، بحيث لا يحصّل التلميذ تعليمًا نظريًّا فحسب، بل يختبر بطريقة مباشرة القيم التي تسعى المؤسّسة إلى غرسها فيه، وهذا ما يؤثّر تأثيرًا شديدًا في تكوين علاقته بالمسؤوليّة المهنيّة والاجتماعيّة والوطنيّة. وتكتسب هذه الرؤية التربويّة أهميّتها وتبرز تحدّياتها عندما ننظر إلى النظام الطائفيّ اللبنانيّ نظرة موضوعيّة، هذا النظام الذي بات بذاته عائقًا أمام تطوّره، وبالتالي يصبح البحث عن إمكانيّات تغييره خارج نطاقه أمرًا ضروريًّا، وفي هذا السياق يكتسب القطاع التربويّ مكانة خاصّة. لكن قبل التوسّع في هذه النقطة الأخيرة، لا بد من تحديد أسس المشكلة. لا تكمن المشكلة الأساسيّة في الآليّة الطائفيّة التي كانت وظيفتها الأساسيّة حماية العيش معًا، من خلال إرساء عناصر تمثّل ضمانة متبادلة، بل في الطريقة التي تحوَّلت بها هذه الآليّة تدريجيًّا إلى مبدأ الحفاظ على النظام. وتزداد صعوبة تجاوز هذا الوضع لأنّ القادة، سواء السياسيّين أو الدينيّين، باتوا هم أنفسهم عالقين بعمق في هذا المنطق الطائفيّ، ويبدون بالتالي غير راغبين، بل عاجزين في الغالب عن وضع التوازنات التي تعتمد عليها سلطتهم موضع التساؤل. غير أنّ الأحداث المتعاقبة في السنوات الأخيرة، ولا سيّما منذ العام 2019، لا تزال تُظهر أنّ النظام لم يعد يحمي العيش معا، بل بات يميل إلى حماية نفسه. فما كان من المفترض أن يكون وسيلة تضمن التوازن بين الطوائف، أصبح يُسهم في تفاقم الحذر المتبادل، وزيادة المنطق الطائفيّ، فضلاً عن شبه شلل في اتّخاذ القرار السياسيّ وفي عمل القضاء. ومن ثمّ، لا يؤلِّف هذا الواقع انحراف النظام عن وظيفته الأساسيّة فحسب، بل يكشف أيضًا عمّا يمكن أن يؤدّي إليه المنطق الطائفيّ المتفاقم. فالمنظومة القائمة على الحفاظ على التوازنات بين الطوائف تميل عمليًّا إلى إعطاء الأولويّة لإعادة إنتاج هذه التوازنات عوض مساءلتها. وهكذا، تتوفّر لهذا النظام العناصر الضروريّة التي تحافظ على سير عمله، من دون أن تتوفّر الآليّة التي تضع تلك العناصر موضع إعادة نظر أو نقد فعليّ. وبناءً عليه، إذا كان تحوّل النظام لا يمكن أن يتمّ من الداخل على أيدي الأشخاص الذين يضمنون إعادة إنتاجه، فإنّ شروط هذا التحوّل يجب أن تُبنَى في فضاءات تقع خارجه. ويمكن التربية أن تشكّل أحد هذه الفضاءات، شرط أن تبقى أمينة لرسالتها الخاصّة. فكما سلف القول، لا تقتصر الرسالة التربويّة على نقل المعرفة أو إعادة إنتاج موروثات، بل تتمثّل في وضع التلميذ بصفته فردًا في صميم العمليّة التربويّة، ومساعدته على تنمية قدراته على التفكير النقديّ والاستقلاليّة والحوار الحرّ والمسؤول مع الآخر. وفي السياق الطائفيّ اللبنانيّ، يفترض ذلك، على وجه الخصوص، تمكين التلميذ من اتّخاذ مسافة نقديّة من المسلّمات والمعايير والتصوّرات الموروثة عن انتمائه الطائفيّ، من دون التخلّي، في الوقت نفسه، عن غنى التقليد الدينيّ. وهكذا، يمكن إعادة قراءة قيم الإيمان والإنسانيّة الشاملة في ضوء مبادئ الثقافة الديموقراطيّة وحقوق الإنسان، بما يساهم في خلق وتعزيز شركة وطنيّة تقوم على الحريّة الفرديّة والتنوّع الثقافيّ والسعي إلى الخير العام. غير أنّ الوفاء للرسالة التربويّة لا يمكن أن يقتصر على الخطاب وحده. فهو يتطلب أيضًا انسجامًا بين القيم التي تعلنها المؤسّسة والممارسات التي تعتمدها. فالمؤسسة التي تدّعي أنها تربّي على الحريّة والمسؤوليّة والحوار والمواطنة لا يمكنها، في طريقة عملها الخاصّة، أن تعيد إنتاج منطق التسلّط أو التلاعب أو غياب الشفافيّة أو الزبائنية أو الطائفيّة الذي تسعى إلى المساهمة في تجاوزه. ذلك أنّ حوكمتها، وأساليب اتخاذ القرارات فيها، وممارساتها في العلاقات، وطريقة تعاملها مع التنوع، تشكّل في حدّ ذاتها جزءًا لا يتجزّأ من التربية المتكاملة. فالمؤسّسة التعليميّة لا تنقل القيم من خلال ما تعلّمه فحسب؛ بل تنقلها أيضًا من خلال الطريقة التي تجعل بها هذه القيم حيّة ومُعاشة. لذا، يمكن التربية، في هذا الانسجام بالذات بين الرسالة والخطاب والممارسات، أن تصبح فسحة تحوّل حقيقيّ. فمن خلال وضع التلميذ بصفته فردًا في الوسط، وتعزيز الروح النقدية والحوار، وكذلك من خلال إتاحة تجربة ملموسة للمسؤوليّة والمشاركة واحترام الآخر في طريقة عمل المؤسّسة نفسها، تستطيع المؤسّسة التربويّة أن تسهم في توفير الشروط الاجتماعيّة والثقافيّة لتجاوز الطائفيّة تدريجيًّا، وبالتالي النظام الطائ